الوصف
مع أن الاهتمام المعاصر بالقرن الإفريقي يتمحور حول قضايا سياسية واستراتيجية ، إلاّ أن مادة هذه الدراسة تتجه لملئ فراغ يحتوي السياسات الاستراتيجية بالتعمق الحضاري والثقافي والجيوبوليتيكي في تكوين القرن الإفريقي نفسه، وهي المادة التي تفتقرها المكتبة العربية وبالتالي الباحثون العرب .
لقد كانت الصيغة الوحدوية بتطلع قـومي لعلاقات شعـوب القـرن الإفريقي تأسـر مخيلتي منذ أن كنت يافعاً في بداية الستينات وأثناء دراستي الثانوية، فقد كان ثمـة شعور دفين يشدني إلى القارة الإفريقية ونضالاتها ورموزها الثوريـة التحريريـة أمثال “جوموكنياتا” أو”الرمح الملتهب” في كينيا، وأمثال “كوامي نكرومـا” أو “الاوساجيفو” في “غانا” وأحمد سيكوتوري في “مالي” وفي مقدمة هؤلاء ” باتريـس لوممبا” الذي مضى شهيداً في الكنغو إثر استقلاله عن ” بلجيكا” حيث تمت تصفيته جسدياً في 13 فبراير(شباط) 1960 وكذلك “منقستو نواي” الذي قاد انقلابا عسكريا ثورياً في ديسمبر(كانون أول) عام 1960 ضد نظام الإمبراطور الإثيوبي “هيلا سيلاسي”.
كانت القارة الإفريقية ملهمة لنا في تلك المرحلة المبكرة، وكنا كطلاب نخرج في مظاهرات تأييد لكل تلك الثورات، في حين كان الحكم العسكري جاثماً على صدرونا في السودان منذ 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 بقيادة الفريق “إبراهيم عبود” وإلى 24 أكتوبر (تشرين أول) 1964.
ولم يكن انقلابيو السودان ينتمون لتلك الحالة الثورية التي تدفع بشعوب القارة، بل كانوا على النقيض وفي حالة تآمر مستمر على تلك الحالة الثورية الإفريقية منذ أن سهلوا عودة الإمبراطور هيلا سيلاسي إلى عرشه في أديس أبابا عبر إرتريا لإجهاض الثورة الانقلابية هناك.
وكذلك اتهامنا لهم بالضلوع في التآمر على ” باتريس لوممبا” في الكنغو، فجمعوا بين تسلطهم العسكري علينا في داخل السودان وتآمرهم على الحالة الثورية في إفريقيا فولّدت لدينا كل هذه العوامل أحاسيس دافعة لتأييد أي ثورة في إفريقيا (أي ثورة، وأياً كانت) طالما أنها ضد الأنظمة المتواطئة والاستعمار.
فلما تفجرت الثورة الإرترية المسلحة للتحرير الوطني مطلع سبتمبر/ أيلول 1961 بعد الإعلان عن تكوين “جبهة التحرير الإرترية” في 7 يوليو(تموز) 1960 كنا كطلاب ثوريين نبحث عنها بأكثر مما كانت هي تبحث عنا، وفي ظل نظام عبود المنحاز لنظام الإمبراطور هيلا سيلاسي، غمرنا شعور بضرورة مساندتها وحتى الانخراط فيها والانتساب لعضويتها وبما يوافق ردود أفعالنا تلك. وقد كان الأمر يبدو “كمراهقة ثورية” أو “طفولة يسارية” ولكن ذلك حدّد توجهاتنا وحتى مستقبلنا.
في تلك المرحلة المبكرة أصدرت كراستين: الأولى بعنوان “الوجود القومي – في مواجهة المصير” فلسفت فيه – قدر جهدي الأوليّ – منظوراً ” قوميا سودانيا” باتجاه “القرن الإفريقي”1 والكراسة الثانية: دعوة سياسية لإنشاء “الحزب القومي الاشتراكي السوداني” ، وقد وزعنا برنامجه سرا في نهايات فترة عبود، وقد قدرت استخبارات عبود وقتها أن “رجالاً كباراً” وراء ذلك الحزب ولم نكن سوى طلبة.
أما “الحزب





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.