محمد أبو القاسم حاج حمد | منهجية القراءة التحليلية

منهجية القراءة التحليلية

حين نتبصر الحركة الكونية من خلال القرآن ، يصعب المدخل ، فمشارعه متعددة ومحيطه لا ساحل له. إذ يتراوح البصر ما بين اتخاذ سبيل قرآني إلى وعي موضوعات محددة ، تطرح مجزأة ضمن محيطها الكلي ، كموضوع القرآن وعلم المعرفة ، أو موضوع القرآن وعلم حركة التاريخ أو موضوع القرآن والحافز الحضاري ، أو موضوع القرآن والمناهج الفلسفية للعلوم الطبيعية ، أو موضوع القرآن ومراحل المعرفة النوعية عند الأنبياء ، وهي معرفة توحيدية تتخذ أنماطاً مختلفة تبعاً لتشكلها التاريخي ، أي مرحلتها التاريخية ، أو موضوع القرآن وعلم المستقبل كما يعطيه القرآن نفسه ، أو موضوع منهج القرآن في المعرفة. وقد سبق لي أن طرحت معالم أولية لهذا الموضوع في دراستي لجدلية الغيب والإنسان والطبيعة في كتاب (العالمية الإسلامية الثانية).
 

الحكمة القرآنية والمعرفة التفصيلية:

 
رأيت أن استيعاب هذه المواضيع وغيرها عبر القرآن ، وبدقة عملية تحليلية ، سيقود في مجمل الطرح إلى اكتشاف الكيفية التي نستفتي بها القرآن في حالات الحياة وقضاياها في الماضي والحاضر والمستقبل. أي أن نصل إلى قواعد وقوانين الإفتاء بالقرآن كما يوضحها لنا القرآن نفسه ، عبر منهجه هو المحدد للغاية ، أسلوب إستمداد الرؤية القرآنية لكل ظواهر الحركة الكونية بخصائصها المتنوعة وأشكالها المختلفة.
 
إذن كنت أريد طرح الموضوعات المحددة على القرآن كيفما فصل الواقع المعاصر والنشاط الذهني هذه الموضوعات ، فيصبح علي في هذه الحالة أن أطرح عنوان الموضوع ثم أمر به على سور القرآن من فاتحتها إلى ختامها محاولاً استجلاء المنظور القرآني لها غير أن هذه المحاولة اعترضتها صعاب من ناحيتين:
 

الناحية الأولى:

 
وهي طبيعة تركيب القرآن نفسه ، فالقرآن ليس مركباً على موضوعات يمكن أن نجليها من موضوع واحد أو من مقطع في سورة. وإن أخذ البعض بهذا الأسلوب حين يكتب مثلاً حول (تعدد الزوجات) أن القرآن يقول في آية كذا ما نصه ، ويسترسل في فرز النصوص والاستدلال بها ليدرس في إطارها موضوعه. أقول: إن البعض قد اتخذ هذا الأسلوب وهو أسلوب يكاد يأخذ به الجميع حين البحث في القرآن عن موضوع معين ، ثم يضيفون إلى ذلك ثوابت الحديث النبوي المسندة إلى مراجع محققة ، ويزيدون عليها إجماعاً وقياساً ورأياً له شروطه الموضوعية والنقدية. وقد أثرى هذا الأسلوب حياتنا الفقهية والفكرية إلى حد بعيد ، باعتباره الأسلوب الأمثل لطريقة البحث في حدود منهج المعرفة ومفهوميته المتوافرة تاريخياً لأولئك المجتهدين والباحثين.
 

الناحية الثانية:

 
وهي الطبيعة الكلية للتركيب القرآني ، فكليته هذه التي تعني وحدته من فاتحته وإلى خاتمته ، تعطى في حال استجلائها الكلي ما هو أكبر من التفاصيل وما هو أكبر من الموضوعات المحددة ، إنها تعطي (المنهج المعرفي) المهيمن برؤيته الكلية والأساسية على الموضوعات التفصيلية. فكل الموضوعات المحددة التي تستصفي دلالاتها من النصوص القرآنية في مقاطع السور المفصلة ، غالباً ما نجد أساس الحكمة منها في سور قرآنية أخرى ، تبدو ظاهرياً ألا علاقة لها بموضوعنا التفصيلي المحدد.
إذن فالإدراك – في حدود الممكن – للقرآن في كليته ووحدته والانسياب في مكنونه ، هو الأساس في فهم أي جزء من خلال الكل ، وفي فهم كل تفصيل من خلال الجمع. هذا الإدراك الكلي – في حدود الممكن النسبي – للقرآن في وحدته يسمى (الحكمة) ، وهي حكمة تستقطب التفاصيل وتشدها إليها وتسبغ عليها معناها (الحقيقي).
 
إن الحكمة ليست نفياً للمعرفة التفصيلية ولا نقيضاً لها ، إنها استلاب إيجابي لها ، وهيمنة عليها بما يستمد من القرآن في وحدته وكليته وشموله. التفاصيل أحياناً كالشجرة التي تحجب الغابة وما وراءها عن الإنسان ، صحيح أن الغابة من طبيعة الشجرة ، غير أن رؤية الغابة بالعين الناظرة تؤدي إلى إبصار (الكلي) في علاقاته وتكوينه وأفقه واتساعه وامتداداته ، مما يعمق إدراك وعينا لموقع الشجرة من هذا الكلي وفي الكل. في هذه الحالة نفقه فصيلة الشجرة ومميزاتها وما تنتمي إليه ، فنقف بعد ذلك أمام كل شجرة من أشجار الغابة وقد استوعب وعينا الفكرة الأساسية عن الشجرة ، بهذا (نقفُ) بما لنا من علم ، تأكيداً للمعنى الإلهي: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36) ) – الإسراء / ج 15. إذ لا يكفي أن تستمع الأذن والفؤاد أصم لا يسمع ، ولا يكفي أن تنظر العين والفؤاد أعمى لا يبصر ، ولا يكفي أن يتلقى القلب والفؤاد أبكم لا يفقه ، وقد قال الشاعر العربي: “إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا”. أو كما قال أفلاطون:
 

“التفكير كلام نفسي”.

 
إن الحكمة المستمدة من كلية القرآن ووحدته ، والمهيمنة على التفاصيل أو الموضوعات المحددة في تعددها وتنوعها ، تتطلب منا وعياً يبسط في شمولية القرآن ويقبض في التفاصيل.
 
هنا نجد أنفسنا أمام نوعية الإدراك الأصعب ، أي إدراك القرآن في كليته والتوحد النفسي والفكري إلى مرحلة تقارب الغيبوبة ، ففي كليته تكاد تغيب الذات المدركة نفسها ، فلا تستطيع هذه الذات أن ترجع من جديد لتفصل وتصنف وتبوب ، وصعوبة الموضوع هنا ليس في اتساع ما نكتب حول كل موضوع ، وإنما في سعة الموضوع نفسه ، إذ إزاء كل موضوع يجب أن يتحول القرآن كله وفي كليته إليه ، إلى هذا الموضوع المحدد بحيث لا تصبح سور القرآن بل كل آية فيه شرحاً لآية واحدة.
 
لست من المرائين في قولي هذا عن الكتاب ، لأستمطر ثناء المؤمنين به ، ولكنه قول في محراب نسك علمي ليس هدفه تعظيم القرآن فهذا أمر خالص بين الرب وعبده. ولكن اكتشاف العظمة فيه ، اكتشاف الحكمة في القرآن ، ليس بقصد (تحدي) المعاصرة وفلسفات الإلحاد والوضعية وصرعها في المبارزة اللفظية وتوزيع السباب على الضالين ، وإنما بقصد تعريف كل هؤلاء (بما في القرآن) من حكمة تستوعب وتعلو على مدركاتهم الجدلية ، مادية كانت أم مثالية ، وفلسفاتهم الوضعية أياً كانت مصادر تكونها في العقل الطبيعي أم في فلسفة العلوم الطبيعية أم في المنطق الوضعي. مهمتنا أن نعرفهم على مكامن الحكمة في القرآن ، ومكنونات المنهج ، لنستوضح معهم – فيما بعد – ما هو تفصيلي مقيد في حقيقته إلى ما هو كلي منهجي. بالقرآن نوضح لهم حقيقة ما اكتسبوا في مداركهم ومناهجهم ، ليتساموا هم أنفسهم بحكمة القرآن ومكنون نهجه ، إلى ما يتجاوز محدوديتهم الفلسفية ، التي استمدوها من حركة الواقع المباشر وتأثير ه عليهم. كل ما نحاول فعله باستخراج واستنباط مكامن الحكمة القرآنية ، أننا ننزع عن الحضارة البشرية بمستواها الراهن المتقدم ، ننزع الغشاوة ما بين العين الناظرة والقلب الأعمى ليبصر ، وننزع الغشاوة ما بين الفؤاد المتلقي والقلب الأبكم ليفقه. فحوارنا بالقرآن حوار علم وحضارة وليس مبارزة خطباء مفوهين ولا مقارعات محاجين هنا الفرق في العلاقة بالكتاب ، الفرق بين (تحمله) و (حملِه) ، ولنا عبرة في الذين (حُملوا) التوراة بمعانيها وحكمتها ومكنونها ثم لم (يحملوها) ، فأصبحوا في علاقتهم بأسفار التوراة كحمار يحمل أسفاراً لا يفقه ما فيها. فعظمة القرآن ليست في حمله ولكن في (تحمله) ، وفي تقديمه للبشرية كرحمة لها وليس مسبة عليها ، فمهمتنا بالنسبة لإنسان الحضارات المتقدمة ، والمتضخمة في ذاتها ، والمصطرعة في تركيبها ، والمتعالية على الإنسانية ، مهمتنا أن نقدم لإنسان هذه الحضارات وبمستوى يتسق مع تطوره العلمي – من خلال القرآن – ما يتسامى به عن ذاتيته الضيقة وصراعيته الإجتماعية وتعاليه الإنساني.
 

أعود فأقول:

 
إننا نعاني نوعية الإدراك الصعب للقرآن في كليته ، الأمر الذي يكاد يفقدنا قدرة ضبط الموضوعات التفصيلية بالمنهج الكلي. هنا يظهر لنا القرآن في أخذه الكلي كوعي (مطلق) لا يمكن لنسبيتنا التكوينية أن تستوعبه. فالقرآن متنزل من الله ، مطلق ، محيط بالوجود كله ، “فالقرآن في كليته لا يدركه إلاّ إنسان مطلق يوازي مطلقية القرآن ، والإنسان الوحيد المطلق من البشر هو ( أحمد) الذي تكافئ خصائصه الروحية القرآن نفسه ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ) “.فالقرآن مطلق وأحمد مطلق والكون مطلق وفوقهما إله أزلي خالق كل هذه المطلقات فمن بعد أحمد الذي تجسد في ( محمد) خاتم الرسل والنبيين يأتي ( الورثة ) وليس مدعي النبوات والرسالات من بعده أو مدعي العصمة .
 
ما بين المطلق في التنزيل والنسبي في الوعي
ولكن الله المحيط بعلمه ، والعارف بنسبية تكويننا التي خلقنا بها ، أوجد الرابط بين (مطلق التنزيل) و (نسبية وعينا) ، على مستوى الجماعة في العموم ، وعلى مستوى الأفراد في الخصوص.
 

أولاً:

 
أنزله الله قرآناً عربياً أي (شيأه في لغة) ليتسنى إدراكه موضوعياً. ( إنا أنزلناه قرآناً عربياً وإنه في أم الكتاب لدينا ) غير أن اللغة هي (تعبير) ، والتعبير كيان مادي محكوم بنسبية مبتدعية ، نسبية تكونهم ونسبية وعيهم ونسبية علاقاتهم بالوجود وخصائصه وحركته ومظاهره ، فكيف للعلم المطلق أن يتشيأ كتابة ولفظاً في اللغة النسبية المحدودة؟ علماً أن كتاب العربية ، وهم مجرد بشر ، يعانون في عصرنا الراهن مما يرونه ضعفاً في اللغة العربية عن استيعاب ما لديهم من أفكار وإبداع ، فلجأوا إلى الرمز ، أو أقحموا عليها توليدات لا تستمد من اشتقاقاتها وجرسها. إضافة إلى أن اللغة العربية وقت تنزل القرآن – لم تكن متطورة ضمن بيئة حضارية وعلمية بحيث تحمل في تركيبها إسقاطات هذا التطور المفترض عليها فتعنى به. وكم من باحث يعاني الآن مشكلات المصطلح ليقابل به مصطلحات أخرى وتحديداً في مناهج الدراسات العلمية التطبيقية. إذن نحن أمام وعي مطلق (هو القرآن) تشيأ وأصبح مكتوباً ومقروءاً في عالم المحسوسات النسبية بطبيعتها التكوينية (اللغة) ، فيبدو منطقياً أن ثمة مسافة بين (المطلق) المحمول والنسبي (الحامل) ، إضافة إلى أن اللغة فوق نسبيتها إلى المطلق ، خاضعة أيضاً إلى نسبية أخرى في علاقاتها بالواقع الحضاري وقدرات وملكات تعبيرها عنه.
 
أكد الله على معنى المطلق في القرآن بأن حقيقته الكامنة فيه أكبر وأوسع وأعمق مما ينالها العلم النسبي:( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (109) – الكهف / ج 16. وكذلك : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) (27) / لقمان.
 
فالقرآن حامل لمطلق الآية (109) فلو كان البحر مداداً لتفصيل هذا المطلق وشرحه لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مداداً ، إذن.. كيف شيأ الله المطلق في النسبي؟ وكيف جعل هذه اللغة المزدوجة النسبية ( في علاقتها بالمطلق من ناحية ، وفي علاقتها بتركيب واقعها الحضاري من ناحية ثانية) قابلة لحمل المطلق؟
 

اللغة بين القرآن واللسان

 
بتحليل علمي للكيفية التي استخدمت بها مفردات اللغة العربية في القرآن ، ومقارنة ذلك بمعاني المفردات نفسها في ما كتب عن لسان العرب ، نجد فارقاً جوهرياً في كيفية الاستخدام ، فكلمة (اهبطوا) ترد في القرآن وفي سورة البقرة بالذات في حالات تبدو مختلفة :
 

الأولى:

 
( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) (36) ) / البقرة
الثانية:
 
( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) ) / البقرة
 

والثالثة : ( يا نوح اهبط وأمم ممن معك)

 
في استخدام القرآن اللغة العربية نجد أن مفردات اللغة تتحول إلى مصطلحات محددة المعنى في السياق القرآني كله ، فكلمة (اهبطوا) مستخدمة في الحالات للتعبير عن أمر واحد ، مع اختلاف هذه الحالات في الظاهر . وهذا ما سيثير البعض وتحديداً أولئك الذين ظنوا أنهم (بتأويل) المفردات يمكن أن يسوغوا فهم المعنى متى ما وردت مفردات معينة في مواقف أو حالات تبدو لهم مختلفة ، فاهبطوا في الحالة الأولى تفسر على أنها طرد من الجنة وهبوط إلى الأرض بمعنى النزول الجسدي ، واهبطوا في الحالة الثانية ، “الإسرائيلية” تفسر على أنها تهديد بإعادتهم إلى مصر .واهبطوا في الحالة الثالثة تفسر على أنها نزول جسدي من الفلك وفي الحقيقة فإن معنى (اهبطوا) واحد في الحالات الثلاثة ، وفي كل موضع ترد فيه (اهبطوا) في سياق القرآن بمعنى ( التدني ) من مقام إلى مقام روحي وليس بمعنى النزول المادي الجسدي .
 
لهذا السبب رأيت ضرورة إعداد مستدرك لغوي يشرح مفردات اللغة العربية ، ليس كما وردت استخداماتها على لسان العرب فحسب ، ولكن كما استخدمت في القرآن وضمن ضوابط دقيقة للغاية. وقد شرحت قبلاً في كتاب العالمية الإسلامية الثانية خطأ المفسرين اللغوي في شرح:
 
( إنه لقرآن كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) – الواقعة / ج 27.
 
فالنتيجة التي وصل إليها المفسرون صحيحة ، طبقاً للسان العربي ، ولكنها خاطئة تماماً في تفسير هذه الآية ، وقد أوقعت أخطاء التفسير المسلمين في عنت شديد. عنت مسلكي في (لمسهم) الكتاب وليس (مسهم) وكذلك عنت في مناولته لغير المسلمين.
 
إن هذا مجرد إشارة نستدل بها على استخدام القرآن مفردات اللغة العربية ضمن ضوابط دقيقة في المعنى بحيث لا تؤدي الكلمة في القرآن إلا وظيفة محددة لا تقاربها ولا تماثلها ولا تشبهها فيها أي كلمة أخرى في منحاها ومعناها. وأن الكلمة في القرآن وحيثما استخدمت تعني معنى واحداً غير قابل للتأويل. أي بتأويل معنى الكلمة لتلائم حالة السياق من خلال معرفة الكلمة وإخضاع السياق لها وليس العكس.فليس في مفردات القرآن مشترك أو مترادف أو مجاز .
 
هذه (معجزة) حيث يحل المطلق في النسبي وتتشيأ كلمات الله التي لو كان البحر مدادها لنفد قبل أن تنفد كلماته ولو جيء بمثله مداداً. فالكتاب (مطلق) يتشيأ في لغة مكتوبة ملموسة.
 

ثانياً:

 
إن تشيؤ المطلق في النسبي ومن دون أن يفقد المطلق إطلاقه ، ومن دون أن يختل مظهر النسبي (اللغة ودلالاتها العامة) ، يعني أن المحمول أكبر من الحامل ، ومع خطأ هذه الفكرة منطقياً إلا أن صحتها تبرهن عملياً عبر تحليلنا المحتوى القرآني المشيأ في هذه اللغة. إذ ليس لنا أن نقول أن القرآن قد سما باللغة لتناسب مطلقه ، فالمعجزة أنه قد شيأ المطلق فيها. ولكن كيف ذلك؟ السؤال جوهري كيفما جاء نقداً أو تجريحاً أو تساؤلاً.
 
إن أولى الخطوات العملية لإدراك هذه الحقيقة تكمن في (تحليل) القرآن وفي كليته ووحدته ، ضمن أفق علمي موضوعي يستمد من القرآن نفسه ، نهجه المستوعب لكل مناهج الفكر في عالمنا الحضاري المتقدم الراهن ، والمتسامي بها إلى ما هو أعمق من معطياتها التي كونتها.
 
إن المحتوى القرآني المتشيء في اللغة لا يعطيك فلسفة لترد بها على الفلسفات الأخرى ، ولا يعطيك نظريات علمية لتثبت بها دوران الأرض أو عدم دورانها ، وإنما يعطيك النهج المعرفي الذي تضبط به سائر المناهج الوضعية بإعادة صياغة نظرياتها كونياً. فكل الفلسفات المادية والمثالية والوضعية لم تأت من فراغ ولم تصدر عن خواء ، وليست نزهة أفكار ، إنها تعبر عن رؤى مختلفة استمدها مفكروها عن محاولات تحديدهم معنى الوجود وفق معطيات محددة. هنا يأتي المحتوى القرآني لتفكيك أسس هذه المعطيات التي أنتجت هذه الفلسفات المادية والمثالية والوضعية. يستوعبها ويأخذها ، ثم يعيد طرحها وتركيبها في موقعها الصحيح في إطار الحركة الكونية ومعنى الوجود. إننا لا ننتف لحي الفلاسفة والعلماء الوضعيين ، ولكننا نأخذهم بكل بساطة من مختبراتهم الصغيرة حيث يجرون تجاربهم إلى مختبر كوني أوسع يشتمل على حقائق وعلى وقائع في التطور وفي الجدلية وفي التكوين ، ونسألهم أن يضبطوها ضمن مناهجهم ، أي أن يعطوها دلالاتها العلمية والفلسفية ، والسؤال لن يوجه لفيلسوف أو عالم بعينه بل سيوجه لكل دعائم ومرتكزات الفلسفة العالمية. والهدف ليس نقض هذه الفلسفات ولكن إعادة وضعها في موقعها الصحيح.الهدف (إستيعابها ) و ( تجاوزها ) .
 
قد يستعيد البعض طرح التناقض الظاهر ما بين الفلسفات الوضعية المستمدة من العلوم الطبيعية ونهاياتها الفلسفية المادية من جهة وبين المفهوم (الغيبي) للوجود الذي لا تخضع فيه القدرات لمقاييس العلوم الطبيعية ، حيث يدرج هذا البعض النهج القرآني ضمن التأملات الغيبية.
 
إن هذا المنطق ليس بصحيح ، إذ يطرح القرآن في مقابل (مادية العلوم الطبيعية) مفهومه حول (كونية العلوم الطبيعية) ، دون أن يبطل (المعلومة العلمية) ولكن يبطل منهجها مادياً.
 
( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) – الرعد / ج 13. فهنا (قطع متجاورات) + (يسقى بماء واحد) = تنوع لا نهائي) .
 
فالتربة ليست متباعدة أو مختلفة ، والماء واحد ، والنتاج غير مقيد بالنهايات التكوينية حين المحصلة النهائية ، ولكن هذا النتاج مقيد إلى قوانين الطبيعة حين نأخذ به كحالات مرئية .
 

ثم:

 
( وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) – فاطر / ج 22.
 
فمن كل – الفرات والأجاج – لحماً طرياً وحلية. فهنا افترقت الخصائص التكوينية الطبيعية واتحد الناتج ، خلافاً لما كان في سورة “الرعد” ، حيث اتحدت الخصائص وافترق الناتج الطبيعي.والناتج المتحد متمايز الطبع من لحم طري وحلية صلبة .
 
فعلوم الطبيعة – حين يعمد إلى صياغة فلسفتها من ذاتها ومن معلوماتها العلمية – إنما تفضي بنا إلى (فلسفة العلوم الطبيعية الكونية) ، وليست (المادية الجدلية). وليس ( الوضعية/ الأرضية ) ويجب ملاحظة اسمي السورتين ( فاطر ) من التكوين الكوني الإلهي ، والرعد من آثار السماء في قوة التخليق الأرضي .
 
ومن هذه البدايات بالذات نلغي الثنائية المتوهمة والمفترضة ما بين الغيب والواقع ، فيعاد إلى صياغتها ضمن (منهج الرؤية الكونية الواحدة) ، أي الرؤية التي تندمج فيها فلسفة العلوم الطبيعية مع الفلسفة الغيبية ، المحققة للامتناهيات في الطبيعة ، ولكن من خلال الطبيعة.
 
صحيح أن المعرفة “الأبستمولوجية” المعاصرة ، قد أعادت طرح المعلومة العلمية بشكل يجردها عن السخافات الفلسفية المادية ، معلنة أن التوظيف الفلسفي المادي للعلوم الطبيعية إنما هو محض توظيف أيديولوجي ، غير أن هذا الموقف النقدي لا يعني تحديد الاتصال الفلسفي بالغيب ، إنه مسار جديد للوضعية التي لا تريد البقاء رهن النهايات المادية التي شكلتها الفلسفة الماركسية للعلوم الطبيعية ، فالثقة في مثل هذه المحاولات يجب ألا تتحول إلى منحها شهادة براءة فلسفية ، طالما ظلت بمعزل عن النهايات الغيبية لفلسفة العلوم الطبيعية ، وهي تدعي نقدها الذاتي ، السلبي للمادية الجدلية. إنها محاولات أيديولوجية من نوع آخر لاختراق (نظرية المعرفة) ، بمفهوم يتواصل مع حاجة الحضارة الأوروبية المسيحية الرأسمالية للحفاظ على نفسها بمنأى عن المادية الجدلية ، وبالرغم مما تثيره هذه المحاولات من إعجاب لدينا ، فيجب ألا تحجب عنا حقيقة أننا نملك هذه النظرية للمنهج والمعرفة في العلوم الطبيعية ، وأن بإمكاننا تعميقها لنتجه بها إلى المجتمع والتاريخ ، وفهم الوحي من خلال الواقع ، وفهم الواقع من خلال الوحي ضمن (رؤية كونية واحدة).
 
كما قلت فإن المحتوى القرآني لا يعطيك فلسفة ولا نظرية علمية ، إنه يعطيك ضوابط معرفية كونية شاملة في المكان وفي الزمان ، بحيث تقيس بها مصداقية أي فلسفة مادية أو مثالية أو وضعية ، تأتي عبر تمثلها العلوم الطبيعية أو المفاهيم العقلانية المنطقية الصورية.
 
لن نسأل القرآن عن الأهلة ، فهي مواقيت للناس والحج ، إذ ليس البر أن تأتي إلى الأمور بغير مدخلها الطبيعي ، أي أن نأتي البيوت من ظهورها ، بل البر أن نتخذ المدخل الطبيعي ، أي الأبواب. وباب الأهلة علم الفلك:
 
( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من إتقى وأتوا البيوت من أبوابها وأتقوا الله لعلكم تفلحون (189) – البقرة / ج 2.
 
فالقرآن ليس نهجاً دراسياً لعلم الفلك أو الفيزياء ، وليس فلسفة تصنيف في عداد المدارس الفلسفية. إنه إطار وعي يستوعب الحركة الكونية في خصائصها وتطورها واتجاهاتها وغاياتها ، مما قبل المنشأ الإنساني وإلى ما بعد الموت.
 
فالقرآن وحي مطلق يعادل إطلاقية الوجود : ( إنا جعلناه قرآناً عربيا لعلكم تعقلون (3) وانه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) ) الزخرف ، أما مطلق الوجود : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) 38 / الأنعام . فالكتاب هو الوجود المطلق بعوالمه المختلفة ( رب العالمين ) ـ الأمر ـ ألإرادة ـ المشيئة ، والقرآن هو القراءتين في إندماجهما ـ القرآن رتق كلي والفرقان فتق تفصيلي .
 

ثالثاً:

 
بوجود اللغة كوسيط مادي محسوس وحامل للمطلق ، يصبح فهم القرآن ممكناً بالنسبة للبشر ، والإمكانية هنا لا تتعلق بفهم مطلقه فذلك نسبي ، وإنما تتعلق هذه الإمكانية في حدودها القصوى والوسطى والدنيا بكيفية قراءة القرآن نفسه ، الأمر هنا يرجع إلى طبيعة القارئ ورؤيته لنفسه وللحركة الكونية. وقد حدد الله ذلك في أولى سور التنزيل:
 
(اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5) – العلق / ج 30.
 
حين أوضح الوحي القرآني: افتراق الخصائص التكوينية الطبيعية ، واتحاد الناتج كما في سورة “فاطر” ، ثم أوضح اتحاد الخصائص التكوينية الطبيعية ، وافتراق الناتج كما في سورة “الرعد” ، فقد طلب الربط ما بين القدرة الإلهية المطلقة والمعلومة العلمية التطبيقية المحددة ، ويستمد هذا الربط منهجياً من أولى السور المتنزلة على غار حراء في الأرض المحرمة ، الربط بين قراءة القدرة الإلهية المطلقة وبين العلم التطبيقي الموضوعي ، أي قراءة أولى بالله ومن خلاله بوصفه (خالقاً) لا تتناهى قدرته ، ثم قراءة ثانية هي (مع) الله وليس (به) بوصفه (معلماً) دالاً على القضايا في تحديدها ، أي علم (القلم) الذي يشكل إطاراً موضوعياً لانتقال المعرفة دون تأويل أو لبس فكري:
 

القراءة الأولى:

 
قراءة كلية تخلع ذاتها عن نفسها متجردة للمطلق ، وهذه مرحلة قراءة لها سماتها ومعناها. وقد توليت شرح معلم منها في العالمية الإسلامية الثانية ، إنها قراءة في الإرادة الإلهية كما تتبدى في الحياة. والقراءة الثانية قراءة تفصيلية موضوعية ، (يجاب فيها السؤال عن الأهلة) ، قراءة علمية مميزة بقوانينها ، وهي قراءة في المشيئة الإلهية.ومن لم يتعرف على عالم المشيئة بإبداعياته وجمالياته وشعره وفنه وأدبه وعلميته وإنجازاته الحضارية يصعب ترقيه بإتجاه القراءة الأولى .
 
ويدمج أيضاً بين القراءتين ، في رؤية الكون وحركته واتجاهه وغاياته بحيث يبصر الإنسان الإرادة الإلهية فاعلة في المشيئة الكونية ، وهذا جمع بين القراءتين ، نستدل بها على المعاني الكامنة في القرآن ، ونستدل بها على غائية الخلق وأهداف التكوين.
 

أما القراءة الثانية:

 
فهي مصدر النعيم متى ما تعلقت وربطت بالقراءة الأولى ولكنها مصدر البلاء وذلك حين ينطلق الإنسان من العلم بالقلم ، فيضخم ذاته ، وهيمنته بالقانون على الطبيعة ، فيتقدم باتجاه بناء الحضارات الفاقدة للتوازن الداخلي ، وفي تشخيص هذه الحالة الدونية الأخيرة بين الله ، كيف تتحول المعرفة العلمية لدى الذات البشرية المتضخمة إلى قوة طغيان داخل مجتمعها لصالح الفئة المالكة لمصادر المعرفة وبالتالي الثروة؟ وإلى قوة طغيان داخل العالم وضد المجتمعات البشرية ، وذلك حين ترى هذا الذات المتضخمة علماً وثروة إنها في موقف المستغني. ( كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرّجعى (😎 – العلق / ج 30.
 
فالاستغناء هنا مجرد أماني، خيال. ولكن دلالته الأخلاقية والفلسفية في منتهى الخطورة على تطور الحضارة البشرية وتواصلها وتوازنها. فمسألة الإيمان بالله وعباداته لا تأتي من حاجة الله إليها ، فهو (غني عن العالمين) ولكنها تأتي مقابل عبادة الذات البشرية لنفسها فتتقاتل (آلهة الأرض) وتفسد الأرض. أما الإيمان بالله فإنه يرتبط لزوماً برؤية الإرادة الإلهية فاعلة بالرحمة والكرم والعلم في المشيئة الكونية ، فلا تستعلي الذات البشرية ولا تطغى في كون سخر لها ، لا تستعلي طبقياً ولا سياسياً ولا اجتماعياً ولا فكرياً ، ولا تطغى في الأرض علواً واستكباراً. فالإيمان بالله تحجيم للذات المتضخمة ، والبشرية في حاجة لهذا الإيمان المعني ، لخلع الذات من أجل سلامها وأمنها في الأرض.( إن الذين يجادلون في آيات الله من غير سلطان أتاهم ان في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هو السميع البصير (56) ) غافر .
 
إذن لنا أن نقرأ القرآن بالجمع بين القراءتين ، بهذا نستجيب منذ البداية لدلائل القرآن وإشارته ، لأننا نستجيب لطبيعته بالإيمان نفسه ، ونتجه إليه كمحيط وعي لا ساحل له. وهكذا كما حمل الله نسبية اللغة مطلق الوعي بمعجزة من عنده ، فإن الله قادر على أن يحمل نسبية التكوين البشري علماً من لدنه ، مقوماً برحمة متجردة عن الذات ، في عبودية تفني معها الذات نفسها:
 
( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) – الكهف / ج 15.
 
غير أن هذه المرحلة من الوعي لا تقوم (موضوعياً) وليست بقادرة على تفريغ وعيها في قانون وضوابط منهجية ، إلا في حالة واحدة ، وهي أن تتخذ من وعيها خلفية (إسناد) لتوضيح الأمور وتفصيلها. فتقوم حجتها على الواقع في الواقع نفسه. وبمعنى آخر استخدام الجمع بين القراءتين لضبط الحالة الفلسفية والمعرفية للقراءة بحيث لا تتحول إلى قراءة ذاتية نرجسية تدمر مجتمعها والعالم.
 
بالجمع بين القراءتين يمتد الإنسان لمشارع المطلق ومداخله ، ولكنه لا يصل أبداً لساحله ولا وجود للساحل ، هو سرمد سرمدي ، ولكن كفى الإنسان أنه يعيش خلوده فيه ، فهذا هو النوع الوحيد من المعرفة التي لا حد لها ، ولا يتمنى لها – من يدخلها – حداً ولا نهاية ، وهي كذلك.
 
والربط بين العلمين رابط فلسفي بوحدة منهجية . فالعلم الموضعي المتكافئ وحقيقة الإنسان مشدود إلى تجليات القدرة ، فلا يتميز عنها بالوضعية ، ويبحث عن التأليه الذاتي بما يراه من قدرة بالعلم على السيطرة.
 
فكل قراءة أشبه بنصف دائرة تؤدي في حال تطابقها إلى دائرة منهجية.( ذ _ د = ن ) فطموحات الإنسان العلمية ومنجزاته الحضارية تأتي معطوفة على الخلق التكويني المستوي على قاعدة التسخير. فهناك اندماج كامل بالفعل البشري في الخلق الإلهي ، ولا يتم الوعي بذلك وعياً حقيقياً إلا بالجمع بين القراءتين في قراءة واحدة . وباندماجهما معاً تتضح معالم المنهج الفلسفي المستمد من القرآن. إذ يدرك الإنسان وقتها أنه يفعل بعلمه الموضعي في كون مسخر بآيات الرحمة ، فيسوده الشعور بالسلام مع ربه ومع ذاته ومع الكون ومع مجتمعه.
 
والقراءتان فريضتان لأنهما بلهجة الأمر الإلهي (اقرأ) ثم أنهما أول كلمتين ، فلا تستقيم الحكمة إلاّ بهما. فمن تجاوز القراءة الثانية – دون وعي بها – إلى الاستغراق الكلي في القراءة الأولى ، (تجاوز الصفات والتعلق بالذات المقدسة في مطلقها) ، فحكمه إلى الله في تجربته الخاصة ، ولكنه يكون بلا أدنى شك قد عطل جانباً هاماً في تجربته الوجودية الخاصة ، وهو جانب تكوينه الحضاري في الدفع بالتجربة البشرية إلى الأمام ، وهو يظل باستغراقه في آيات القدرة كيفاً منفعلاً ، يتواضع عن الفعل فلا يقدم عليه خشوعاً لقدرة الله الطلقة.
 
وهذه الطريقة طريقة خاصة ولها نتائجها الروحية ومقامها غير مقام القراءتين في تلازمهما. غير أن الخطورة تكمن في محاولة البعض التحول بهذه التجربة الخاصة إلى منهج في الحياة على أساس قاعدة الوعي البشري المشترك ، فكانت النتيجة سلبية للغاية إذ ارتبط البعض بمدلولات القراءة ، مع إهمال للنهج القرآني الذي استعصى عليهم نتيجة هذا الموقف الجزئي ، فنراهم يدعون الاتحاد بالحقيقة في مطلقها بشكل وراثي أو طرائقي ، ويعجزون في نفس الوقت عن فهم شمولية الحقائق القرآنية. والنتيجة تعطيل للفكر البشري ونفور من الدنيا وعيش خارجها.
 
وكنتيجة لتعطيل القراءة الثانية وقع الفكر الصوفي حين اتجه نحو الفلسفة (لبناء قواعده الخاصة أو للتصدي بعلمه الكشفي) في أزمات متعاقبة حتى مع أبسط درجات الإدراك الموضوعي لدى الإنسان. ولعل أبرز مثال على ذلك قصة (صالح قبة) الذي عطل القراءة الثانية نهائياً من سلوكه الفكري متجاوزاً إكرام الله له إلى التعلق بقدرته. فصالح قبة أو (صالح بن عمرو) ، يدرجه الشهرستاني تارة في عداد متأخري الخوارج وفي عداد المرجئة من القدرية (أي المعتزلة) تارة أخرى.
 
((يروي الأشعري أن صالحاً هذا قد ذهب إلى أن الإنسان لا يفعل إلاّ في نفسه ، وأنكر أن يكون بين الأحداث الطبيعية تلازماً ضرورياً قط ، حرصاً منه على صون مفهوم القدرة الإلهية المطلقة. وعنده أنه يجب علينا أن نتحرى في كل حدث طبيعي فعل الله المباشر (القدرة وليس التسخير). لذا قال: إنه يمكن أن تماس النار الخشب مراراً عدة دون أن يخلق الله فيها احتراقاً ، وأن الله قد يحرق الإنسان بالنار دون أن يحس بالألم ، بل قد يحس باللذة إذا شاء الله ذلك. وأن الله قد يخلق في الإنسان الإدراك مع العمى والعلم مع الموت بحسب مذهبه. ولما سئل ذات يوم: أتنكر أنك الآن في مكة جالس تحت قبة ، أم أنك لا تدرك ذلك لأن الله لم يخلق العلم بذلك فيك؟ أجاب لا أنكر. فما كان من السائل إلاّ أن أطلق عليه لقب صالح قبة (مقالات الإسلاميين للأشعري ص 406 – 407. والصياغة هنا لماجد فخري: دراسات في الفكر العربي 83).
 
وهكذا نجد أن تعطيل القراءة الثانية يؤدي إلى الانتقاص من قيمة الفعل البشري ، وبالتالي القيمة الوجودية للإنسان في الحياة ، وهو أمر يختلف عن النهج القرآني مما يجعلنا نميز بوضوح بين ( الفكر القرآني والفكر الإسلامي ). وذلك باعتبار أن هذه الاتجاهات التي يأخذ بها صالح بن عمرو جعلته يغفل حقائق التسخير وموضوعية العلم كأساس في المسئولية البشرية ، فاضطرب تفكيره أمام تلازم الأحداث الطبيعية ، فاتخذ (نظرية الاتساق) ، وهي توليد عقلي في المقام الأول مشابهة لنظرية (التساوق الأزلي) لدى لايبنتز.
 
إن التحول بهذه (المواقف) إلى (اتجاهات فكرية) دون وضعها في دائرة المنظور القرآني الشاملة ، قد أضعف كثيراً من انطلاقة الإنسان العربي الحضارية ، وشده إلى منطق العجز والبقاء قيد الانفعال بالقدرة الإلهية ، في وقت يحس فيه هذا الإنسان نفسه باحتجاب اتجاهات الإرادة الإلهية في الخلق عن وعيه فلا يعرف من أين يبدأ ، ولا كيف يضع فعله في إطار التسخير الكوني. ذلك إهمال متعمد لعالم المشيئة وقواه العلمية والحضارية التي تحرك الإبداع في الإنسان هو مطلق كما تكون نفسه ، لا متناه في نزوعه .
 
كذلك فقد أدى تعطيل القراءة الأولى والاستغراق الكلي في القراءة الثانية (علم القلم الموضعي) ، إلى نوع من روحية الاتحاد بالطبيعة التي تجلت بمذهبياتها المختلفة في المفاهيم العلمية الوضعية وبناءاتها الفلسفية المختلفة. وهكذا كما غيب (صالح بن عمرو) الإنسان عن الحركة ، جاءت الفلسفة الوضعية لتقابله بتطرفها ومفهومها الجزئي ، فغيبت الله عن وعيها بالحركة.
 
انطلقت الفلسفة الوضعية بروح برومثيوس إلى نتائج العلم الوضعي ، لا بهدف تطوير فعالية الحركة البشرية في كون مسخر قائم على التفاعل والوحدة ، ولكن بهدف انتزاع سر القدرة عن الله والتحول بها إلى الأرض أي إلى الإنسان. بدأ العلم باتجاه الإنسان للتوحد بالطبيعة كمحاولة لتحجيم القدرة الإلهية ، ومن ثم تطور هذا الاتجاه بتطوير منجزات العلم نفسه ، والحضارة الموضعية إلى محاولة نفي نهائي وقاطع لفعل الله في الحركة. بدأ بالتفسيرات الفلسفية لنظرية (نيوتن) فغدا الله قوة ما ورائية مارست الخلق بقوة الدفع الإلهي ، وهو يستمر من بعدها على نحو آلي… وتطور إلى الحلولية التي جعلت الله حالاً في قوى الطبيعة ، وانتهى إلى المادية الجدلية التي غيبته نهائياً ، وطرحت بديلاً له اتجاهات النمو عبر خصائص التطور المعقد. كل هذه النظريات ، كانت تتجه عبر تطورها العلمي وما تفيده من حقائق العلم الوضعي ، إلى ربط الإنسان نهائياً بالطبيعة ودمجه بها ككائن طبيعي ، وهكذا (يستغني) الإنسان بارتكازه على القلم ووحدته مع الطبيعة… (ذلك الرحم الذي يجده مهيأ) عن الله. لم يعد يرى الله بقدرة التسخير ولا برحمة التسخير ، ولا باتخاذ الظواهر الطبيعية معنى إنسانياً. ويحاول أن يعلو بالعلم الوضعي على القدرة المطلقة وقد أحس أنه قد استغنى.
 
هنا بالتحديد نزل الوحي الإلهي بإضافة مقطع في موضع مختلف إلى المقطع الأول من سورة العلق بدءاً من الآية رقم (6) ، ليعطي السورة وحدتها الموضوعية وإطارها المنهجي: ( كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرٌجعى (😎 – العلق / ج 30.
 
يقرر هذا المقطع ثلاثة مبادئ مترابطة فيما بينها ، تتولد في الإنسان حين يأخذ بالقراءة الثانية فقط ، وبمعزل عن الأولى. أي حين يستند إلى القلم الموضعي بمعزل عن القدرة المطلقة. في هذه الحالة يتوحد الإنسان توحداً قطعياً بالطبيعة في ظواهرها وحركتها ، ككون مستقل عن أي امتداد.
وحين يتحد الإنسان بالطبيعة ، فسيكتشف نفسه بلا شك فاعلاً متعدد القدرات ، ومبدعاً إلى أقصى حدود الإبداع. فالحركة الكونية مهيأة بالشروط الموضوعية ، ومقننة بشكل يستجيب للتحليل والتأليف العلمي ، أي مركبة على كل ضرورات الدفع الحضاري. هذه الوضعية الكونية مع ما يقابلها من قدرات إنسانية مكافئة بالوعي والعلم ، تولد لدى الإنسان – حين لا يرتبط برؤية القدرة الإلهية – شعوراً بالاستغناء عن أي تأثير يرد عليه من خارج الطبيعة. يغفل في هذه الحالة عن آيات التسخير في الطبيعة نفسها ، ويبتدئ بفعله من حيث يقف لا من حيث أتى.
 
كيف تكون علاقة الإنسان بالطبيعة في هذه الحالة؟ تكون علاقة قهر وصراع ، إذ تفقد الظاهرة الطبيعية معناها الإنساني المسخرة له ، ويتخذ الوجود كله شكل القوى المتصارعة والمتضادة والمتنابذة ، ويصبح من خلال إنجازاته الحضارية المتنامية.
هنا يتحول الإنسان إلى إله ، ولكنه إله يستمد قيمه من عالم الطبيعة الذي اندمج فيه وتوحد به. يصبح قانون الطبيعة هو قانونه وفلسفتها هي فلسفته ، فيتحول بالموضعي إلى المطلق ، وبالقلم إلى القدرة ، ويغفل عن وضعه الحقيقي في إطار الكون المسخر ، وعن وضع الكون بما فيه ذات الإنسان في إطار القدرة الإلهية.
 
هذا الانتصار القلمي هو الذي يولد الإحساس بالاستعلاء عبر منهجية الصراع (الطغيان) . هاتان حقيقتان: طغيان الإنسان المتولد عن ارتباطه بالعلو الحضاري.
 
ولا ينهي الله الأمر في هذه الحدود ، فيدع الإنسان مستمراً في طغيانه مفجراً الصراع في الأرض ، فيرده إلى الحقيقة الكونية ((إن إلى ربك الرٌجعى )). والرجعى هنا – خلافاً لقول المفسرين – لا تعني الإرجاء الأخروي ، وإنما هي دلالة العودة على الأثر نفسه ، وهي تصريف من (الرجع) أي الاسترداد الآني ، كالسماء ذات الرجع: في حالة التفاعل المستمر بالحركة بين الأرض والسماء. وكقول الكافرين (ذلك رجع بعيد) بعد أن ظنوا بتلاشيهم في الأرض فلا يبقى منهم ما يستردهم الله به. فيرد الله عليهم (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) وهذه دلالة على بقائهم ضمن أشكال متحولة ، غير أن استمراريتهم الوجودية لا تنقطع. المعنى هنا أن الله يسترد الفعل إليه بنفي نتائجه على الصعيد الدنيوي نفسه.
 
فَهمُنَا لهذه المسألة هنا يحتاج إلى نوع من التركيز ، فارتداد الفعل إلى الله ليهيمن على نتائجه ، لا يعني أن القدرة الإلهية كانت غائبة في حال الفعل نفسه ، إلا أن الإنسان باستعلائه القلمي هو الذي غيبها من وعيه ، لذلك لم تقل الآية: (كلا إن الإنسان ليطغى أن استغنى) بل (أَن رآهُ استغنى) والرؤية هنا قضية إحساس وشعور ، لا تعبر عن الحقيقة. وهي أن الإنسان ليس مستغنياً في الأصل ، ففعله قائم على التسخير ، وقوة عمله تأتي على سطح قوة العمل الإلهي المضمنة في الكون بظواهره المنسقة ذات المعنى الإنساني ، كذلك فإن وعيه الإنساني مع خلق الله له – هو علم متكافئ مع شروط الحركة الموضوعية نفسها ، وليس ظاهرة مستقلة التركيب ، لذلك فالاستغناء هنا هو شعور وهمي وليس حقيقة كونية.
 
الإنسان إذن في علمه واستعلائه بالعلم لا ينفك عن ملازمة القدرة الإلهية له. فهو (أي الإنسان) بها يفتعل ، وذلك بحكم التكافؤ المخلوق بينه وبين عالمه. وبحكم التسخير الرابط ، ((والله خلقكم وما تعملون)) أي أن فعل الإنسان نفسه أو عمله مخلوق بحكم وجوده وتحركه في دائرة التكافؤ بين مخلوقية العالم على نهج طبيعي معين ، ومخلوقية الإنسان على نفس النهج. وتتضح معالم ((والله خلقكم وما تعملون)) في التفصيل الذي تحويه الآية: ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) – النحل / ج 14.
 
فالإنسان – إذن – يتحرك بفعله على سطح قوة الفعل الرباني المبذولة في النسيج الكوني بما في ذلك وجود الإنسان نفسه. والمعنى ذاته يأخذ شكلاً تفصيلياً أكثر من الآيات التي تربط فعل الإنسان بقدرة الله : ( أفرأيتم ما تمنون (58)أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61)ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) – الواقعة / ج 27.
الله – إذن – يرجع بالفعل على الإنسان ، لأن الفعل في أصله راجع إلى الله ضمن محتوى القدرة والتسخير والخلق الإنساني ، وهو ما يعرف بالاقتضاء في الحركة ، والتكافؤ في التقابل بين الإنسان والطبيعة بقوانينها الموضوعية. ورجوع الله بالفعل على الإنسان هو مفهوم (دنيوي) وليس (أخرويا) كما رأينا. وليس كما وقع في خاطر المفسرين ، فلو كان القصد أخروياً لكان الأرجح لغوياً أن تختتم الآية بـ (وإن إلى ربك المنتهى) وليس (الرُجعى). فالرُّجعى هنا هي من مماثلات و (إلى الله عاقبة الأمور) أي بارتداد القدرة الإلهية على الإنسان ضمن مقومات الفعل نفسه وشروطه وبشكل دنيوي. وفي هذا السياق أيضاً يختلف الاستخدام القرآني للفظ (ثم إليه ترجَعون) من الرجع عن (ثم إليه ترجِِعون) فهي من الرجوع. فالرجع ارتداد في إطار الحركة نفسها ، في إطار الفعل نفسه ، في إطار الخلق نفسه ، وعلى نحو آني دنيوي. أما الرجوع فإنه العود إلى ما كان الأمر عليه في السابق.
 
ويأتي سياق السورة ليؤكد الإطار الدنيوي لوضعها:
( أرأيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10)أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلا لئن لم ينته لنسفع بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) – العلق / ج 30.
 
ربما يبدو الإشكال الوحيد هنا – في التشبيه على المعنى الأخروي هو ورود عبارة (سندع الزبانية) ، فالزبانية كما ذهب أغلب المفسرين هم ملائكة العذاب في النار ، حيث يدفعون بالكفرة إلى جهنم ، والحقيقة أن كلمة زبانية لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن وفي هذه السورة فقط ، أما ملائكة العذاب في النار فقد ورد ذكرهم بعبارة (ملائكة غلاظ شداد) وليس زبانية. وقد أطلق عليهم (زبانية) تشبيهاً لهم وليس اسماً ، والتشبيه يعود إلى الناقة الزبون التي تدفع عن ضرعها – وبهذا المعنى ترد عبارة (سندع الزبانية) بمعنى قوة مدافعة الشيء بالشيء ، وهي تعكس الارتداد الإلهي على الإنسان بالفعل وضمن نفس شروطه الموضوعية (أضل أعمالهم) في داخلها وضمنها. ومما يؤكد المعنى الدنيوي في هذه الآية:وضع دعوة الزبانية كمقابل شرطي لـ (فليدع ناديه) ، وناديه أي (جماعته) دعوة تتم في الدنيا ، حيث يتداعى الرهط وليس في الآخرة ، فليس ثمة جماعة يلوذ بها الإنسان هناك. كذلك (الناصية) دلالة على (الجبين) رمز الاستعلاء والكبر والطغيان حيث يسفع بها رمزاً للإهانة.
 
فالقدرة الإلهية في تداخلها مع الفعل البشري (ضمن الأشكال الواردة في الملاحظات) تظل مهيمنة على نتائج الفعل البشري الحضارية باحتوائه سلبياً إن كان فعلاً خاطئاً ، وباحتوائه إيجابياً إن كان فعلاً صالحاً.
في الحالة السلبية ترتد عليه في الإطار الموضوعي للحركة نفسها أو من خارجها كما جاءت الأحداث على أيام الرسل. وفي الحالة الإيجابية أيضاً يدفع الله بالفعل البشري نفسه ضمن الإطار الموضوعي للحركة أو من خارجها. فالله موجود في مسيرة الفعل البشري وحركته من حيث لا نشعر ، غير أن هذا الوجود يتم بكيفية هي من خصائص القدرة ، بحيث يصبح الإنسان أيضاً مسئولاً عن فعله ، فالتداخل لا يبطل التمايز ، ولأن هذا الأمر بالذات أي (وجود الله في مسيرة الفعل البشري والطبيعي) يعتبر من الأمور المستعصية على الأفهام. فقد خططنا – ضمن هذه السلسلة الترشيدية – لدراسة مستقلة حول (مراتب الفعل الإلهي في تداخله مع الإنسان والطبيعة) ، فهناك مرتبة (فعل الأمر المطلق) ، وهناك مرتبة (فعل الإرادة النسبي) ، وهناك مرتبة (فعل المشيئة المقيد إلى السنن الكونية) ، ولكل من هذه المراتب خصائصها ، وقد شملتها الآيات:
( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) – النحل / ج 14.
 
وكذلك:
( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) – يس / ج 23.
 
ففي الآيتين أمر إلهي (إنما قولنا – إنما أمره). وفي الآيتين تشيؤ للأمر (لشيء – إذا أراد شيئاً) ، وفي الآيتين توسط بين الأمر والتشيؤ (إذا أردناه – إذا أراد). فهناك (صيرورة) للأمر نحو التشيؤ عبر الإرادة. وهذه من خصائص التداخل بين الفعل الإلهي والوجود البشري والطبيعي عبر مراتب مختلفة. وفي تلك الدراسة اللاحقة – بإذن الله – والتي تعتمد على القراءة المنهجية للقرآن ، سنحاول تجاوز إشكاليات المتكلمين حول الجبر والاختيار والمنزلة بين المنزلتين ، ومع تجاوز إشكاليات العلاقة بين المطلق الإلهي والنسبية البشرية.
 
فيما سبق أن طرحناه توضحت لنا بعض الخصائص القرآنية التي تعتبر مدخلنا لمنهجية القراءة التحليلية.
أولاً: هناك الإحاطة القرآنية المطلقة بالوجود متنزلة على لغة مشيأة. فماهية القرآن كلية ومحتوى اللغة نسبي.
 
ثانياً: هناك مطلق القرآن ونسبية الواقع نفسه الذي تنزل عليه القرآن قبل أربعة عشر قرناً قمرياً.
ثالثاً: هناك مطلق القرآن ونسبية التلقي البشري.( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) – الكهف / ج 16.
رابعاً: تفريغ المطلق – دون المساس بمطلقه – في حركة الواقع الحي ، بحيث تبدو المطابقة قائمة بين آيات القرآن وأسباب النزول المقيدة بالزمان والمكان. مع أن القرآن كتاب ((مجيد)) ، أي يحيط بالمتغيرات ولا تحيط به المتغيرات فتتجاوزه وتبليه: ( بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) – البروج / ج 30.
خامساً: إعادة جمعه وترتيبه لا طبقاً لتسلسل النزول التاريخي ، ولكن ضمن وحدة منهجية كتابية ، تخرج بالقرآن عن حيز التجربة التاريخية الموضعية إلى الكل العالمي زماناً ومكاناً. وهذا ما فعله الرسول الخاتم والروح القدس جبريل ، عليهما الصلاة والسلام.
سادساً: ربط السياق الكلي للكتاب بمحطات وقف تأملية ترتد بالمتفكر إلى ما سبق ، لتعميق وتوسيع التلقي باتجاه ما يلحق. وغالباً ما يأتي ذلك في مواضع الآيات التي تبدو للناس متماثلة.
 
إن القرآن (المجيد) لا يحيط به إلاّ (ذو العرش المجيد) ، فمهما تعددت مجلدات الكتابة ، فإنها ليست سوى نصيب وهبه الله وباركه ، لا يتجاوز قارورة واحدة من مداد كلمات الله. ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) – الكهف / ج 16.
 
طوال أربعة عشر قرناً قمرياً (هجرياً) ومنذ تنزل القرآن على النبي / الأمي / في حراء ، وفي وسط / الأميين / العرب ، ثم لحق بهم / الأميون / في العالم: ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) – الجمعة / ج 28.
طوال هذه الفترة وإلى اليوم تعددت كتب (تفسير) القرآن ما بين المحيطين الهادي شرقاً والأطلسي غرباً. وقد أفادنا علماؤنا الأجلاء كثيراً على أي نهج كانوا ففسروا ، نقلاً ومأثوراً أو رأياً. ولكن يأتي من يعتقد اليوم أن القرآن قد كمل تفسيره بمن سبق ، وأنهم قد عالجوه من قبل على افتراض أنهم أهل اللغة الأصيلة والأدرى بكنهها والقرآن عربي ، وأنهم الأقرب زماناً إلى حملة القرآن ممن كان الرسول بينهم. وتأتي في هذا المضمار آراء وأسانيد شتى.
فكل ما ذكر صحيح ، فعلماؤنا أجلاء وكانت فيهم كل تلك الحسنات ، لغة وقرباً في الزمان. فنحن هنا لا نناقش إضعاف ما أتوا به ، ولا نصفه بما يقلل من قدره. إننا ناقش قضية الاستمرارية في المبحث القرآني نفسه ، هل هي قائمة وممكنة أم غير قائمة وغير ممكنة.
 
فالذين يقولون: إن استمرارية المبحث القرآني ، وما يعرفه البعض (بالإجتهاد) أمر غير وارد ، لأن مجلدات السابقين قد حوت ، وما سلف أفاد وأفاض ، هؤلاء يتجاهلون مسألتين هامتين ، الأولى: أن القرآن كتاب (مجيد) والثانية نسبية البشر. القرآن كتاب مجيد – وصفه الله بقوله: ( بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) – البروج / ج 30.
 
والمجيد يعني الخلود والديمومة ، وبالتحديد الذي لا يبلي تماماً كالعرش المجيد. والأمر الذي لا يبلي من خصائصه أنه يستوعب كل زمان ومكان ولا ينفرد زمان ومكان باستيعابه ، إلاّ إذا بطلت سنة الله في تغاير وتبدل الأمكنة والأزمنة. فالقول بأن زماناً معيناً ومكاناً معيناً ، خلال ما مضى من الأربعة عشر قرناً ، قد أحاط بمادة القرآن واستوعباه شرحاً وتفسيراً ، يحمل مظنة الطعن في مجد الكتاب كما في مجد العرش الإلهي. إنه طعن في الأزلية. وللذين يعلمون أن يدركوا معنى هذا الطعن.
 
نسبية البشر – إن أي بشر لا يستطيع أن يحيط بعلم القرآن ومادته لا تفسيراً ولا شرحاً ولا تأويلاً ، ذلك لأن القرآن متنزل من مطلق إلهي لا يحده بشر ، لأن الإنسان كائن نسبي التكوين. وقد نبه القرآن لذلك فيما أجرى من قول أمراً على لسان خاتم النبيين: ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) – الكهف / ج 16.
فالرسول في علاقته بالقرآن هي علاقة بشر نسبي بمادة مطلقة. علماً بأن الرسول لم يورثنا كتباً في التفسير ، وما نسب إليه من قول ، أو فعل ، أو إقرار فهو منقول. إذن فليس من إمكانية للقول بأن النظر في القرآن قد استوفى: ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) – لقمان / ج 21.

فهل لبشر أن يحيط بذلك؟

 

الإستمرارية بنص القرآن

 
إن استمرارية المبحث القرآني وعدم إغلاق النظر عليه أمر مؤكد بنص آيات القرآن ولا تتطلبها الحكمة فقط. فالكتاب كتاب (مجيد) ، والبشر على نسبية تكوينهم في زمانهم ومكانهم ، فلكل فترة حظها من الكتاب ومجده تماماً ، كما أن مجد الكتاب دلالة على ختم النبوة. فلو لم يكن الكتاب مجيداً لكان وضعه كوضع التوراة ، فيبعث الله الرسل مقفين لبعضهم ليواصلوا مهمة الشرح والتشريع: ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل (87) – البقرة / ج 1.
أما النبوة الخاتمة فمقابلها استمرارية الكتاب المجيد في العطاء لكل الأزمنة ولكل الأمكنة. والعطاء لا يكون إلاّ من خلال بشر يقرءون الكتاب ويكتبون. وإلاّ تقادم عهد الناس بالكتاب ولم يعد يواكب متغيرات زمانهم ومكانهم وقد ختمت النبوات. فماذا يقول القرآن في هذه المسألة بل أن نستمع لأقوال البشر: حين يطول الأمد يحيي الله الموات.
 
( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (17) – الحديد / ج 27.
 
قد ربط الله ما بين الأرض والقلوب التي تموت حين يتقادم عليها العهد والأمد ، فبالنسبة للأرض ينزل الله عليها الماء فتهتز بعد أن كانت ساكنة: ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) – فصلت / ج 24.
 
فالخشوع هو السكون المتهيأ وليس السكون العدمي ، فالأرض الخاشعة ، المهيأة ، تتلقى الماء فتهتز وتربو. والقلب الخاشع يتلقى ذكر الله فيهتز ويربو ، غير أن / الأمد حين يطول / يميت القلوب ويفقدها قدرة التلقي ، يفقدها الخشوع. فكيف يثير الله في قلوب / الذين آمنوا قابلية التلقي؟ لولا أن يكون ذلك / بإحياء / الذكر في نفوسهم وقلوبهم. وكيف يكون ذلك دون الاستمرار في الكتابة والقراءة والقول؟ فإن عاد الأمر لكثرة المصاحف فإنها بالملايين ، وإن كانت المساجد فإنها بمئات الألوف.
 
ثم إن المسيحية قد قفزت لتكون الذين الثاني في العالم تعداداً بعد البوذية وتنصر كثيرون من ديننا. فالقلوب الميتة تحيى بإحياء ذكر الله. والذكر كتابة وقول وقراءة واستنهاض. ولا يتم ذلك إلا بمغالبة هذا الأمد الطويل ونفض غباره وغسل ما ران على النفوس. فمن ذا يواصل الاستمرارية التي ذكرها الله في سورة الحديد؟ للكتاب ورثة يحملونه ويستمرون:
( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) – فاطر / ج 22.
 
قد أوحى – من – الكتاب ما هو مصدق للذي بين يديه ، في وقته وعصره ، وختمت الآية – إن الله بعباده لخبير بصير – والخبرة تتجه إلى التفصيل في الأمر ، ودقائق الواقع كذلك ما يستبصر من الأمر. ثم أورث الكتاب لمن اصطفاهم الله من عباده ، ولم يقل الله إنهم أولياء يطيرون في الهواء أو يمشون على الماء ، ولم يقل إنه يرسل آيات يستشهدون بها على أنهم ورثة الكتاب ، بل قال عنهم غير ما يتوقعه الناس عادة في مثل هذه الأوضاع ، قال عنهم إن منهم من هو ظالم لنفسه ، ومنهم من هو مقتصد ، ومنهم من هو سابق بالخيرات. ومن من البشر مَن لا ينضوي صفة ضمن قائمة من هذه القوائم. ومَن ذا الذي يشترط على الله صفات الوريث؟!
 
فالورثة موجودون ويستمرون في عملهم أيّاً كانت صفاتهم. وهذه مسألة ترجع إلى الله وليس من مجلس يستطيع تحديدها ، فيصدر مرسوماً بأهلية من ورث ، وإن كان ظالماً لنفسه أو مقتصداً أو سابقاً بالخيرات.
 

ويحذر الله الوارثين

 
ولا يترك الله الأمر قيد الهوى ، وإن الهوى لصعب المراس في واقع كثير العنت وعظيم الحزن فشدد الله على الدرس والتقيد والمعرفة الوثوقية: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) – الأعراف / ج 9.
 
فالورثة الحقيقيون (مصلحون) ، والإصلاح يأتي بعد فساد يلعب فيه طول الأمد دوره ، والصلاة عماد ومدخل. والتحذير قائم في ألاّ يتخذ هؤلاء الورثة مواقف التسهيل المفضية إلى التفريط محاولة منهم لاجتذاب قلوب الناس ، فيمضون من الصغائر إلى الكبائر استناداً إلى سوابق خففت الضرورات الأخذ بها.
 

لم يضع الله عقاب مدرسية

 
إن الأخذ بالكتاب يتطلب الاستعداد وبذل الجهد ، غير أن الله قد أوضح أن (الذكر) قد يسر ، والذكر هو القرآن ، فمن يعسر في الأخذ والتناول فقد جانب اليسر الذي يقتضي أيضاً عدم التفريط والاستسهال والتسيب. ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) – القمر / ج 27.
 
فالقرآن قد يسر للذكر ، للعلم والمعرفة به ، والعلم يسبق الإيمان في كتاب الله: ( وقال الذين أتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) – الروم / ج 21.
 
فالله إذ يرفع بالعلم درجات إلا أنه لا يجعل من شروط العلم والتعليم عسراً دون جلاء حقائق الذكر والتنزيل تماماً كما فعل الأقدمون بكتبهم ، فقيدوها إلى قواعد شدتها من كل جانب ، فأركست وأخلدت بها إلى الأرض وأثقلتها ، فلا هي بالمتسامية إلى العلا ولا هي بالمستجيبة لنسمات الرياح فتدخلها ، وظنوا أن في إثقالها بهذه المشدات والحجارة تقوية لبنيانها ، وما فعلوا في الحقيقة سوى حجبها بحجة المحافظة عليها ، ما وجد الذكر إلاّ مشارع مفتوحة للداخلين ، ولا يخشى الله على بنيانه من أحد في السموات أو في الأرض فهو له من الحافظين.
 

لماذا التحليل وليس التفسير؟

 
إن التفسير هو تفصيل المعاني وشرحها ، أما التحليل فهو رد هذه المعاني إلى أصولها. فالتحليل يأتي لاحقاً للتفسير في السلوك الفكري. وهدف التحليل هو الوصول إلى القصد من وراء الآية والسورة وليس مجرد شرح الآية والسورة. في اختصام الملأ الأعلى ليس هدفنا شرح موقف الاختصام فحسب ولكن فهم نتائجه. فالتحليل يتجه إلى (ماهية) الأمر وليس إلى شكله. فالتحليل لا يكتفي بالنظر إلى الإبل كيف خلقت ، وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت ، وإلى الأرض كيف سطحت: ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) – الغاشية / ج 30.
وإنما يحاول معرفة العلاقة بين خلق الإبل وهذا الخلق الكوني ، مضاهاة ارتفاع الإبل على قوائمها والسماء بلا عمد. ونصب الجبال وأسنمة الإبل ، وتسطيح الأرض وخف الإبل. فالوحدة التخليقية للإبل في مقابل الوحدة التخليقية لظواهر الكون. ثم نمضي إلى المركب الأبعد ، فالوحدة التخليقية للإبل هادفة وذات غائية ، فالإبل ليست جسداً لا يطابق حاجة الإنسان ، فهي تسير بخفها وتحمل على سنامها ، وتعطي من ضرعها كما السماء من سحبها ، كما الجبال وحجارتها وفجاجها والأرض وسهولها. ترابط التكوين الخلقي بالهدف ، بالغاية ، كما خلق لنا ما في الإبل جميعاً تماماً: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً (29) – البقرة / ج 1.
فهنا أ/ خلق – ب/ خصائص خلق مكيفة على حاجة الإنسان – ج/ مضاهاة خلق متماثل داخل خلق متماثل.
 
هنا يصل التحليل إلى استخلاص المبدأ ، الارتباط بين الخلق والتسخير أي (التوافقية) ، فيوضع هذا المبدأ في مقابل المبدأ الدهري / الاشتراكي الخفي / الذي يقرر اللاغائية في الخلق وفي اتجاه الحركة. ثم يعاد تركيب مبدأ الغائية القرآني في الخلق ضمن علاقة الله بالإنسان الذي خلق له الكون من زاوية (قيمة الخلق الإلهي) في مقابل (الفعل الإنساني). فحليب الإبل نتاج قوة عمل – خلق – تكوين إلهي ، قيمة قوة عمل الإنسان محددة بالناتج فقط – الحلب – الركوب ، فقيمة العمل ترد بالتحليل إلى مصدرها. المصدر هنا هو الله ، ثم تحلل قيمة العمل الإنساني التي تأتي على (سطح) قوة العمل الإلهي ، إذن.. لا طغيان ، لا استبداد ، الزكاة أقل مقدارها من قيمة العطاء الإلهي لأنه الأصل في الناتج الاقتصادي. لا نخلق الحليب ولكن نحلبه ، وخلق الحليب من الناقة وجعله فيها كجعل المطر في السماء ، وهي التي تحيي لنا الأرض. هنا نمتد من الغاشية إلى الحديد ، والنمل ، والانفطار ضمن سياق ومنهج متسلسل عضوي واحد خلافاً للتفسير.
 
بالمنهج التحليلي الذي يركب القضايا في بعضها ويولد منها قضية جديدة ، سنجد أننا لا نكاد نبدأ بفاتحة الكتاب إلا وقد لزمنا الكتاب كله لشرح فاتحته. فالآية تبدأ بسيطة وسهلة في معناها ومبناها ، (( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)) كما في سورة الغاشية ، ثم تستوعب هذه النظرة آيات في الكتاب كله. فالذي ينظر بالعين الحقيقية لا يمكن أن يبدأ في حياته بغير (بسم الله الرحمن الرحيم) . فالتحليل يبدأ بالبسيط ، ثم مركب المركب ليصل إلى غاية التعقيد في التوليد أي إلى (الجدلية). فالإبل في سورة (الغاشية) حيث ترمز لمظاهر البناء الكوني هي (البدن) في سورة (الحج) والتي جعلها الله من الشعائر وهي (الذبح العظيم) في سورة (الصافات) ففي (الغاشية) نفهم معنى القربان الوارد في (الصافات) ، ومعنى البدن في الحج.. الكتاب كل منهجي مترابط.
 

التحليل الجدلي تدقيق منهجي

 
إن من أساسيات التحليل أنه قائم على التدقيق وإلا انهارت كفة أساسات البناء للقضية. فالتحليل يعمد إلى إعادة البحث والاكتشاف في معاني الأشياء ، وفق ما ترد في القرآن نفسه وليس وفق ما يشكل القناعات العامة. هل كان إسماعيل طفلاً صغيراً حين عرضت لإبراهيم رؤية الذبح؟ فإن كان صغيراً فكيف جرى ذلك الحوار المؤمن؟: ( فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) – الصافات / ج 23.
 
فهل قالها وهو صغير؟ أم قالها وهو رجل؟ ((فلما بلغ معه السعي)) ، وماذا يقصد بالسعي؟ وما هي مواصفاته البدنية والعقلية؟
 
هل أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الحليم أم أن إبراهيم قد رأى ذلك في رؤيا منامية ودون أن يعبرها أو يتأولها ثم فسرها له ابنه بأنها أمر إلهي؟ ( فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إنشاء الله من الصابرين (102). ثم لماذا تدخل الله ومنع الذبح إن كان أمراً منه؟ : ( فلما أسلما وتله للجبين(103) وناديناه أن ياإبراهيم(104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) – الصافات / ج 23.
صحيح أن في تصديق الرؤيا ابتلاء لإبراهيم ولابنه الحليم ، فقد أرادا تنفيذ ما ظناه أمراً من الله ، فجزاهم الله جزاء المحسنين ، ولكن الأمر الإلهي لم يكن يذبح الابن الحليم ، وإنما كان بالقربان عن المكان في صورة الابن الذبيح في الرؤيا ، والرؤيا تُؤَوَّل وتعبر من الصورة إلى الأصل ، ولهذا جاء نداء الله لإبراهيم ليستدرك عبور الرؤيا وتأويلها لا تصديقها على صورتها (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) أن يا إبراهيم. فليس الله الرحيم ، الذي وهب إبراهيم خليله الأواه الحليم ، ابنه الحليم ، أن يأمره بذبحه ، وإنما هو الفارق بين (تصديق) الرؤيا و (عبورها) كما نجد ذلك عند يوسف ، وعليهم جميعاً الصلاة والسلام.
 
وفلك نوح هل هي مجرد سفينة وما الفرق بين الطوفان والفيضان ، وكيف كانت مواصفات البناء وهي قد حملت ( من كل زوجين إثنين (40) – هود / ج 12).
 
أي من كل نوع ثمانية ، وقد جرت بهم موج كالجبال ، وليس (فوق) موج ولا (على) موج ، والموج كالجبال ، فكيف كان حال من فيها وهي في هذا الموج وما بين ماءين ، من السماء ومن الأرض: ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) – القمر / ج 27.
فهل كانت السفينة /الفلك/مغلقة؟ وإن كانت مغلقة فكيف عاشوا داخلها طوال فترة الطوفان؟ هل قضى الله عليهم وهم داخلها سنة أهل الكهف.
تساؤلات تستتبع التحليل ، وللتحليل غاية تتعلق بمرحلة نوح ومن معه لحل لغز هاروت وماروت ، وحقيقة بابل التاريخية الحقيقية ، أهي بابل المعروفة منذ القرن العشرين قبل الميلاد ، أم بابل التي بنيت على أطلالها؟
 
هذا كله سيكتشف في مواضعه من التحليل ، فالقرآن في كليته هو بالنسبة لنا مصدر المعرفة المهيمنة على كل المعارف بالدقة والإطلاق ، وعليه فإن من واجبات التحليل ، التعامل مع القرآن في دقته وعلى مستوى الحرف ورمزه. فبهذا نخرج عن ضوابط المعرفة التفسيرية لضوابط معرفية أشد وأدق وأكثر معاناة ، فليست اللغة وحدها ستكون معيننا ، ولكن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية ، أي سنمضي إلى حيث يتاح لنا في علومنا والله المستعان.
 

في القرآن بين المطلق والنسبي

 
يتضح أننا سنتبع أسلوب ما رتب عليه القرآن ، وذلك لما يحمل الترتيب نفسه من معنى وماهية رابطة لسياقه المنهجي ، فالقرآن كوحدة عضوية ، يحمل في داخل تكوينه اتجاهاً في الحركة المحكومة بغائية معرفية متطورة ومتنامية ، من مبتداه إلى تمامه.
(فمهمتنا أن ننفذ عبر التشيؤ اللغوي للقرآن إلى نفسه المتكلمة ، لنلج في داخلها المتحركة بالقراءة ، أو بالدمج بين القراءتين ، طبيعة الاتجاه والغاية. هنا يصبح القرآن أشبه بكائن عضوي حي وناطق ، ومتشيئ بالكلمات المندمجة في الآيات وفي السور وفي وحدة الكتاب).
 
أسلوبنا المعرفي لن يكون تفسيرياً بل (تحليلياً) كما ذكرنا حيث لا تحصرنا فيه امتيازات (المهنة) ، التي جعلت البعض يحظر على الآخرين – من دونه – دراسة الغيبيات والمتشابهة ، في وقت تعتمد فيه الحضارة العالمية الراهنة على نفي هذه الغيبيات ، لتأكيد ذاتها بإنكار ذات الله المنزهة والمقدسة ، خلافاً لما كان عليه الأمر طيلة قرون البشرية السالفة ، والتي لم تكن تنكر فكرة الألوهية ، ولكن مسختها بالشرك والتعالي. فدراسة الغيبيات وإنشاء علم يبحث فيها وفي كل مدرك فوقي ، أمر علمي وتاريخي ملح للغاية. وأي تأخير في تدقيق هذا العلم هو خسارة لأنفسنا وللبشرية. ويجب أن نميز أن العلم الذي أدعو إليه ليس هو دراسة (علم الغيب) ، فالغيب لا يعلمه إلاّ الله ، ولكني أدعو إلى دراسة (علم الغيبيات) , فهو علم يختص باكتشاف قوة (الخلق) علمياً وموضوعياً ، وبدراسة خصائص التكوين ومقومات الحركة ، وتحديد وجود (الغائية) في الخلق والحركة. ووجود اتجاه في سيولة الحركة باتجاه هذه الغائية. فهل نجيب على التساؤلات العلمية المادية الجدلية حول كمال الحركة ونفي التأثير عليها من خارجها؟ هل نجيب على ذلك بوجود خالق لهذه المادة وخصائصها وحركتها ، وأن المادة (ناقصة) ، ونكتفي بهذا القول في مواجهة المقولات العلمية للثورة الفيزيائية ؟
 
تغييب الإرادة الإلهية في الوعي المعاصر
إن أدمغة الحضارة العالمية المتقدمة الراهنة ، محشوة بنظريات في العلوم الطبيعية ، انعطفت بها نحو تطبيقات اجتماعية وفلسفية ، فإلحادها ليس ناتجاً عن رغبتها الذاتية في الإلحاد أو ضلال السبيل ، ولكنه ناتج عن رؤية هذه الفلسفات لكون ممنهج بدقة علمية فائقة في خصائصه وحركته ، بحيث يمكن للإنسان اكتشاف قوانين هذه الحركة المادية والسيطرة بها على (تسيير) الكون ، في هذه الحالة – أي حالة القدرة على تسيير الكون علمياً وضمن حالات الثورة الفيزيائية الآن ، يجد الإنسان نفسه غير مبصر لوجود إرادة ربه في هذا الكون المشيأ ، فتضمر في واعيته العلاقة بالله ولا يعود يفهم معنى لعبارة (إن شاء الله) و (بإذن الله) طالما أنه – أي الإنسان – يرى نفسه قادراً على إطلاق قمر صناعي إلى أي من الكواكب بل والسيطرة على المركبة الفضائية وتحديد مدارها وهبوطها ، كذلك إصلاح العطب فيها من محطة التحكم الأرضي. وإذا أدرك إنسان الحضارة المعاصرة وجود الله ، فسرعان ما يجد أمامه تفسيرات مضلة وخاطئة عن العلاقة بالله كمسألة الأمر الإلهي ، المتوهم لإبراهيم بذبح ابنه ، فيرجع إلى الكفر من جديد. فليس ثمة تكافؤ بين الفكر الديني التراثي والعقل العلمي.
 

العلو العلمي المادي يفضي إلى العلمانية

 
هذا الواقع المادي يؤدي إلى تصور ذهني يفارق به الإنسان فعل الخلق الإلهي في التكوين ، والإرادة الإلهية في المشيئة وفي الحركة ، لا يعود الإنسان المسيطر بعلمه على المادة التي يقلبها طوع بنائه قادراً على رؤية (عنصر ناقص) فيها. ثم يتحول الإنسان بهذه المنظورات العلمية إلى تصور ذهني (أيديولوجي) ، يسحبه على حركة المجتمع والتاريخ والتطور المادي والإنساني ، فيسير إلى مراحل تشيئات مادية أو إنسانية ليربطها بمقوماتها المادية (اقتصادية – اجتماعية) فيطرح علم (تطور المجتمعات) ومراحل هذا التطور ، ولا يصر مثل هذا الطرح العلمي المادي على أنه قد حدد نهائياً أشكال التطور ونماذجها ، ولكنه يصر على الذاتية للحركة والتطور.
 
مثل هذه المفاهيم النافية لفعل الغيب قد حوربت في إطار الحضارة الغربية نفسها ، ولكنها حروب كان المدافعون فيها عن (عقيدة الإيمان) أقل أصالة وأكثر سطحية. فحين طرح “نيوتن” التصور الآلي الميكانيكي للكون ، وأن كل شيء خاضع لقانون السببية الآلية ، وتمكن من تفصيل البراهين على نظريته سعى المؤمنون تحت ضغط الاقتناع بالنظرية العلمية الميكانيكية للقول بأن الله قد كون الكون ، وحدد خصائصه المادية ، وضمنه حركته الآلية الذاتية ، ودفع به في اتجاه الزمن ، وهذه نظرية عرفت وجود الله بأنه أعطى (الدفعة الأولية) للكون ، وهذا المنطق يحتمل بالضرورة أن الله قد خلق الكون ودفعه ثم (غاب) عنه ليستعيده فيما بعد ، أي في يوم البعث. ((ايزاك نيوتن / 1642-1727)).
 
وحين حلت النظريات العلمية التطورية على يد (داروين) وبالذات في مجال الخلايا والأنسجة وتكونها واستخلاص نماذج تطورها ، لجأ الماديون إلى استلاب هذا المفهوم التطوري لتأكيد التطور الإحيائي وبمستوى أرقى من قوانين العلاقات الآلية ، فتحولوا بهذه النظرية مع تعميقها بالعلوم الاقتصادية والاجتماعية ، وعلم الحفريات الأثرية إلى حركة المجتمع التطورية على نحو لا أثر فيه لإرادة خارجية مؤثرة في مسيرة التطور. (تشارلس داروين / 1809-1882).
 
ولم يستطع المؤمنون في مواجهتهم سوى استلاب المفهوم التطوري – مع الإقرار به – وتحويله إلى منحى مثالي أشبه بالوضعي ، يفسر دوافع التطور بأنها كامنة في (فكرة) في (مطلق) يحدد (ماهية) الأشياء ويوجه حركتها نحو الغاية – الفكرة التي انتهت “بهيجل” إلى (الدولة). كشكل من أشكال توليد المطلق للفكرة في داخل المادة وحركتها. و “هيجل” هذا هو الذي قال عنه ماركس: إنه قد وجده يمشي على رأسه فأعاده ليمشي على ساقيه ، أي تحول من الفكرة المطلقة التي تمشي في المادة إلى مادة تمشي على ساقين ماديين. (هيجل / 1770-1831).
 
وما بين إشكالية الإرادة الإلهية التي شيأت الكون وحددت خصائصه وغاية الحركة واتجاهها ، وما بين نظريات العلوم الطبيعية وإحالتها الفلسفية ، اتخذ عديد من الفلاسفة موقف الحياد أو السلبية فهم ماديون في مختبراتهم ، ولاهوتيون في حياتهم ، فظهرت فلسفات ترقيعية وتوفيقية وانتقائية ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وتاهت في ركام من التحديدات غير المحددة. وما ذلك إلاّ لعدم التكافؤ ما بين المفاهيم الخرافية التي تلبست الأيديولوجية الدينية وتحرر العقل العلمي.
 

وجود الله بين التجريد والواقع الموضوعي

 
المشكلة ليست بسيطة كما يظنها البعض ، فكثير من الناس يطلق العبارات بسهولة كالقائل مثلاً: ((ألا يفكر هؤلاء العلماء الماديون في كيفية الخلق العظيم والمقنن ، بحيث أصبح في دقة تنظيمه طوع بنانهم ، ألاّ يفكر هؤلاء في وجود خالق عظيم… إذن هم مجرد أغبياء وكفرة)).
 
بهذه الحجة يغلق السجل. غير أن هذه الحجة لم تكن كافية حتى لإقناع مشركي قريش قبل النبوة ، فقد قال لهم أحد الأحناف: ((بعرة تدل على بعير ، وأقدام تدل على مسير ، فأرض ذات فجاج ، وسماء ذات أبراج ، أفلا يدل ذلك على حكيم خبير؟ )). ولكن بالنبوة تحول المشركون إلى الإيمان وإدراك حقائق ما نطق به ذلك الحنفي ، فلماذا؟
 
الأمر هنا لا يفسر من زاوية أنه كان على قلوبهم أقفال لم تكسرها إلاّ النبوة ، وإن كانت النبوة قد فعلت ذلك ، ولكن كيف فعلته؟ فعلته حين أبصر عرب الجزيرة فعل الإرادة في الحركة الماثلة أمامهم ، فعل الوحي والآيات المنزلة مرتبطة بكل حدث حيوي متحرك في واقعهم ، رأوا فعل الإرادة ، فآمنوا وتيقنوا ، أي أنهم رأوا فعل الغيب في المادة ، في الحركة ، أحسوا به حاضراً موجوداً . وعلموا صدق ما أنبأهم الله به.
 
إذن إشكالية الإنسان الذهنية ليست في دلالات المنطق الفعلي على وجود الخالق ، ولكن الإشكالية في أن يدرك هذا الإنسان ويحس إحساساً ملموساً بوجود الخالق في حركة الكون والحياة بغير مفاهيم خرافية وأسطورية ، فيدرك أنه مرتبط به مادياً وفعلياً ، وأن وجوده ككائن بشري وتطوره ككائن إنسان ، مرتبط في دقائق حركته بإرادة إلهية مباشرة ، محجوبة في ذاتها ، وليست معلومة فقط بآثارها وتصورنا العقلي لهذا الأثر ، ولكن بفعلها الضمني ، إضافة إلى استرجاع المفاهيم الدينية واستصفائها من الأطر الخرافية والأسطورية التي زيفت معاني العلاقة الإنسانية مع الله.

غير أنّ الاختبار البشري عبر موسوعتين مرجعيتين ومعاصرتين[1] في التاريخ الإنساني يدلّ على النقيض من ذلك. فالحروب والغزوات مستعرة الأوار منذ الحضارات القديمة، بداية بالفرعونية ومروراً بالآشورية والفارسية والإغريقية إلى الرومانية، ذلك في الشرق الأوسط وأوروبا. أمّا في آسيا، فقد أغلقت الصين على نفسها بسورها العظيم.

وهكذا:

كلّما أنبت الزمان قناة ** ركّب المرء في القناة سنانا

لقد وظّف كلّ أنواع التطور الحضاري، لا في التمدن والعمران والحوار، وإنّما في تطوير آلة الحرب، من المقلاع الحجري إلى الطاقة الفيزيائية النووية.

ثم يأتي الدور على المفكرين والكُتّاب، ليكرّسوا بنظراتهم ما كرّسه القادة السياسيون والجنرالات العسكريون حول الحرب و(صدام الحضارات)، فينبري (صمويل هنتنغتون) للكتابة في ذلك، (تأصيلاً) من ناحية و(تحريضاً) من ناحية أخرى.[2]

أمّا التحريض، فقد استهدف العرب والمسلمين بالذات، حيث صدرت الدراسة في أكثر الأجواء الأمريكية عدوانيّة على العرب والمسلمين، وفي مرحلة زخرت بالتقارير والدراسات والاجتماعات المضادّة لهذه الأمّة.

من ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر – التقرير التفصيلي الذي صدر عن (ورشة العمل) في الكونغرس الأمريكي حول الإرهاب و(العالمية الإسلامية الجديدة) في الأول من فبراير (شباط)1993 والمكوّن من (94) صفحة.[3]

وتبع ذلك ظهور دراسات تحضيرية ضدّ كافة الحركات الإسلامية بعد التفجير الجزئي لمبنى التجارة العالمي في نيويورك بتاريخ 26 فبراير (شباط) 1993، وعلى رأسها كتاب (يوسف بودانسكي) (الإرهاب في عالم اليوم ـ الهدف هو الغرب).[4]

وقد استثارت تلك الدراسة معظم المثقفين العرب، فانبرى بعضهم لتقييمها والردّ عليها، بداية وليس نهاية بالملف الذي أصدره بعد عامين من صدورها (مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق)،[5] حيث جاء في مقدمة التنويه والإصدار:

“إنّ موضوع” صدام الحضارات ليس آخر صرعة في عالم يجمع بين الاستشراف الدبلوماسي وفلسفة التاريخ، كما يُخيّل لبعض الباحثين الأوروبيين في فرنسا وألمانيا. إنه يمثل الإطار المفاهيمي لسياسة “الاحتواء المزدوج” التي تنتجها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط العربي/الإسلامي منذ حرب الخليج الثانية، ولو لم يكن له هذه الوظيفة الاستراتيجية في مواجهة الإسلام السياسي بشقيه الأصولي والتوليفي، لما تبنّته مجلة فورين أفيرز الأميركية النافذة في واشنطن على هذا النحو الذي أثار مناظرة واسعة تعدّت أصداؤها حدود الولايات المتحدة، وأعطيت فيها لكاتبه البروفسور “صامويل هانتنغتون الكلمة الأخيرة”.

وضمن الملف نفسه رأى الدكتور (وجيه كوثراني).[6]

“أنّ الأشكال الصراعية التي يصفها هانتنغتون بالصدامات بين الحضارات، لا تعدو أشكالاً من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الأهلية الناتجة من عجز الحضارة الغربية عن أن تصبح عالمية مستوعبة لتنوّع العالم، وذلك بسبب تطابقها مع مشروعها الرأسمالي، وتحوّلها إلى دعوات إيديولوجية لهذا المشروع واستدخالها لمنطقه في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبالتالي، بسبب إعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي فشلت في بلدان الأطراف فشلاً ذريعاً، وتحوّلت في مظاهرها العالمية الغالبة إلى حضارة “صورة” و”سلعة” يتجاذبها تناوب المتعة والملل السريعين لدى الميسورين، والحقد والجوع والعنف لدى المحرومين”.

إنّ ما لا يقوله خطاب “صدام الحضارات” المتأخر، هو أنّ انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة كالحضارة الإسلامية، على سبيل المثال، هو صيغة من صيغ يقظة المغلوب الذي يلجأ إلى الذاكرة الجماعية الثقافية للاحتماء والاحتجاج والرفض، وأنّ الثقافة المقاومة أو المصادمة اليوم، التي تصدر عن مخزون من الذاكرة الجماعية والمقدّس الديني، ليست “حضارة” بالمفهوم الذي يعني أنساقاً فكرية وفلسفية وإبداعية وإنتاجاً لمعرفة على المستوى الإنساني والعالمي، كما كان شأن الحضارة الإسلامية سابقاً، بل إنّها نمط من ثقافة فرعية لحضارة أصبحت، في حال العرب والمسلمين، تراثاً وتاريخاً ومشروع استلهام حضارة إسلامية جديدة.

إنّ العرب والمسلمين، اليوم، لا ينتجون وسائل الحضارة الإنسانية الحديثة ولا علومها ولا فلسفتها. وأمّا العودة إلى معالم الحضارة الإسلامية إبّان ازدهارها، فهي عودة إلى التاريخ واسترجاع لذاكرة أو دراسة لمرحلة. وفي الحالتين، لا تملك “الحضارة الإسلامية”، بما هي تراث، دينامية التصادم مع الحضارة الغربية الحديثة. إنّ الشعوب الإسلامية تبحث عن مشروع حضاري جديد لا يمكن للإسلام إلا أن يكون في قلبه، ولا يمكن للمعطيات الحضارية العالمية إلا أن تكون مادة اقتباس وتوليف وهضم له.

إذن، ماذا نُسمّي كلّ هذه الصدامات في العالم التي يزهو هانتنغتون بتعدادها في مقدمّة ردّه على مساجليه عبر إعطاء نماذج من عالم ما بعد “الحرب الباردة”؟

الواقع أنّ أمثلة هانتنغتون هي نماذج من تكوينات طائفية -دينية وإثنية وقبلية- كانت موجودة في عالم الحرب الباردة، بل في عالم ما قبل الحرب الباردة. ولنلاحظ أيضاً أنّ هذه التكوينات كانت جزءاً من نسيج اجتماعي ساد عوالم حضارية قديمة انتظمت في أطر من الجغرافيات السياسية والتاريخية: عالم الصين والهند والعالم الإسلامي/العثماني، ولنلاحظ أيضاً أنّ هذه التكوينات الثقافية لم تتحوّل إلى عناصر صدام إلا مع التفكك والتفكيك الذي حصل لها بفعل عوامل ذاتية وخارجية.

“نخلص إلى القول إنّ عناصر الصدام التي يعددها هانتغتون ليبني عليها فرضيته، لا تندرج في نسق ومفهوم “الحضارات”، إنّها تعبير عن أزمة نظام عالمي يمرّ في “النقطة الحرجة” التي تجعل منه، على حد ما يقوله الباحث الفرنسي في الاستراتيجيا، بيار لولوش Pierre Lelouche، “فوضى الأمم”، وإنّ ما يقترحه هانتنغتون بصيغة الدعوة إلى تعايش الحضارات واحتواء أسباب انفجارها، هو نوع من سياسة “إدارة الأزمات” في “كوكب الفقراء” الذي تنفجر فيه الديموغرافيا والثقافات (التي يمتزج فيها الديني والسياسي). وأمّا عن دور مقالته (الجديدة – القديمة)، فهو نوع من إدارة للنقاش الفكري والثقافي ومحورته حول “مركزية الخطاب الاستراتيجي الأمريكي. إنّه أيضاً نوع من “إدارة الأزمة” من باب الفكر والثقافة، وفي انتظار “خطاب جديد” بعد أن ينتهي الدور الاستهلاكي لخطاب هانتنغتون، كما انتهى قبله خطاب فوكوياما”.

لقد تطلّعنا يوماً أن تشكل الحضارة الغربية بعقلانيتها وتطورها الصناعي والفكري مدخلاً لنهضتنا، فهرعنا لاستمزاج مقولاتها الفلسفية والسياسية، وتمثلنا في فكرنا وأدبنا بعض اتجاهاتها طوال الفترة من عام 1798 إلى 1940، أو على مدى قرن كامل ونيف أطلق عليه بعض كتابنا ومؤرخينا (مرحلة فكر النهضة)[7]، وذلك بالرغم من خضوع بلداننا في تلك الفترة للاحتلال الأوروبي المتعدد الجنسيات من بريطاني وفرنسي وإيطالي وإسباني. وكذلك بالرغم ممّا خلفته في أنفسنا الصليبية العدائية المتتالية الحملات ضدنا منذ عام 1097 إلى عام 1270م، وما ألحقته ببلداننا وشعوبنا من دمار هانت أمامه غزوات المغول والتتار طوال قرنين من الزمان.

غير أنّنا واجهنا مجدّداً من الحضارة الغربية (الأوروبية المنشأ) و(الأمريكية المحصلة) حملة صليبية جديدة ولكنها (ممتدة) منذ مطلع القرن العشرين إلى السنة الأولى من مطلع القرن الحادي والعشرين الحالي. إذ لم يتم الاكتفاء بتجزئة وطننا وفق اتفاقات سايكس ـ بيكو عام 1916، بل زرعوا في داخله الكيان الصهيوني الذي فصل وحدة الجيوبوليتيك العربي من البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى البحر الأحمر جنوباً، ومنحوه كافة قدرات العدوان والتوسع الإقليمي.

لقد واجه الشعب الفلسطيني إرهاصات الغزو والاستيطان الصهيوني منذ الإعلان عن وعد بلفور عام 1917، ثم بدايات النزوح الصهيوني معلناً لثورة 1935، ثم بعد نشوء الكيان الصهيوني عام 1948 وإلى اليوم، حيث زيّن قدره الجهادي بالعمليات الاستشهادية.

وواجهت أمّتنا العربية هذه الغزوة الاستيطانية بعدة حروب خاضتها عام 1948 و1956 و1967 و1973.

وتدخلت أمريكا بقواتها عسكرياً لإجهاض الثورة الشعبية في لبنان عام 1958 ثم قصفت النظام الثوري في ليبيا عام1986 وأرسلت صواريخها لمصنع الدواء في السودان عام 1998.

ثم أَضافت أمريكا إلى ذلك زجّ الخليج في حربين، الأولى (عراقية – إيرانية) طوال عقد من الزمان بداية بعام 1980، والثانية (عراقية – كويتية) في عام 1990، حيث دمّرت مقدرات إيران والعراق، فيما أخضعت دول مجلس التعاون العربية لابتزاز امتصّ فوائضها النفطية وارتهن ما تبقى منها.

وانتهت أمريكا بعد أحداث أو تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 إلى تحميل العرب والمسلمين مسؤولية تلك التفجيرات، فأعلنت عن (تحالفها الدولي) بذريعة (مكافحة الإرهاب) طارحة من خلال ذلك إيديولوجية جديدة للهيمنة على العالم كله؛ هي إيديولوجية (العولمة) المعاصرة التي تمتدّ لكل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية والسياسية.[8]

وحدة الخطابيين: الصليبي عام 1095م والأمريكي عام 2001م

منذ تسعمائة عام تقريباً، وبالتحديد في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1095م اعتلى البابا (أوربان الثاني) منصّة كاتدرائية مدينة (كلير مونت) في فرنسا مدشّناً الحروب الصليبية لطرد أحفاد (أبناء الجارية) ـ ويقصد بذلك العرب المسلمين من أحفاد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وأمهم (هاجر) ـ من الأرض المقدسة، وذلك بعد أن وصف العرب والمسلمين بأقذع الصفات من (كفرة) و(معتقدات خرافية نجسة) و(إدخالهم الكلاب إلى الأماكن المقدسة).

بل لقد دعا البابا لصوص أوروبا والسارقين والقتلة للانضمام إلى الحملة الصليبية للتكفير عن إساءاتهم والانضمام إلى ملكوت الرب:

“وجّهوا أسلحتكم التي لطختموها بشكل محرّم، في ذبح بعضكم بعضاً، إلى أعداء العقيدة، وأعداء اسم المسيح، وأقول للمتهمين بالسرقات، وإحراق البيوت عمداً، والسلب والنهب والقتل والجرائم الأخرى ذات الطبيعة المماثلة، والذين لم يحوزوا بسببها على مملكة الرّب، قدّموا هذه الطاعة المرضية للرّب، حيث يمكن لأعمال التقوى هذه مع شفاعة القديسين أن يحصل لكم بكل سرعة العفو عن آثامكم التي أثرتم بها سخط الرّب”.[9]

لقد كانت الحروب الصليبية التي دعا لها حتى القتلة واللصوص ستاراً لإخفاء المطامع الحقيقية لأوروبا في تلك المرحلة، حيث تطلعت للأهداف ذاتها التي حققها من قبل الإسكندر المقدوني وأباطرة بيزنطة وروما لإخضاع الشرق ونهب ثرواته والتحكم في ممراته الاستراتيجية باتجاه آسيا وثرواتها، أرادوا استعادة إرث الإسكندر المقدوني الإغريقي (333 ق.م)، وإرث الإمبراطور الروماني بومبي (64 ق.م إلى 223م) ثم (بيزنطة) بعد (روما) من عام 223م إلى عام 635م، حيث تمّ تحرير الشرق على يد الفاتحين العرب.[10]

الآن يتكرّر المشهد من جديد، وبعد تسعمائة عام يقف الرئيس الأمريكي ويردّد خطبة البابا (أوربان الثاني) متذرعاً هذه المرة ـ أي الرئيس بوش- بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 ليضع الشرق تحت هيمنة العولمة، تماماً كما أراد البابا وضع ثروات الشرق وممراته الاستراتيجية تحت هيمنة أوروبا، وتماماً كما فعل الإسكندر المقدوني والإمبراطور بومبي الروماني ثم بيزنطة.

مصالحهم الاستعمارية هي التي تحرّكهم. أمّا الدعاوى الإيديولوجية التي وجّهت عقائدياً حتى للقتلة واللصوص، فهي مجرد مبررات دعائية وتعبوية وإعلانية زائفة.

فالمحرك الحقيقي لأمريكا الآن هو مذهبها النفعي UTILITARISM التوسعي وفلسفتها الأدائية INSTRUMENTALISM التي تنظر إلى النتائج الماديّة وليس إلى القيم والأخلاق في العلاقات مع الشعوب الأخرى.[11]

أمّا (الليبراليّة) التي نادى بها فرانسيس فوكاياما كنهاية للتاريخ[12] فإنّها ومع سلبياتها في الفردية والتركز حول الذات INDIVIDULISM ونزوعها العلماني والوضعي الإباحي، إلا أنّها كقيمة من قيم الحرية قد فقدت مضمونها في إطار النظام الأمريكي الذي وظفت الآلية الديمقراطية لديه توظيفاً لصالح الطبقة المستعلية والمتحكمة التي وصفها جيداً الكاتب الروائي الأمريكي (جون رويس).[13]

فالنهج الأمريكي الأدائي النفعي تجاوز حتى قيم الليبرالية، فتكوّنت ظاهرة (المكارثية) لمطاردة كافة الآراء الحرّة إبّان الحرب العالمية الثانية، ثم ها هو ذا النظام الأمريكي يهرع لتكميم الأفواه وشنّ حملات بتوجيه من أجهزة الأمن المختلفة ضدّ كل من يقف ناقداً لتيار الحكومة الاستبدادي بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001.

إنّ هذا النهج الأمريكي لا يؤدي بنا إلا إلى (صدام) حضارات، والسجل الأمريكي والأوروبي من قبله حافلان بهذا الصدام.

الخروج من مأزق الصدام إلى الحوار:

مع كلّ ذلك، هناك ضوء في آخر النفق الذي يبدو مسدوداً، وسنتّجه إلى هذا الضوء في معرض الإجابة عن التساؤلات التالية:

هل تحول عوامل الصدام دون مقوّمات الحوار؟

هل صدام الحضارات قدر مصيري أم خيار مؤقت؟

هل يمكن أن تتجه الحضارات المختلفة لبناء حضارة إنسانية؟

ما هي إمكانيات العمل الحواري الحضاري من أجل مستقبل الإنسانية؟

لقد حالت موانع تاريخية ودينية دون الحوار الحضاري بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية.

كان أولها تزامن الدعوة الإسلامية في قرنها الأول على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم -: (622م بداية الهجرة النبوية للمدينة المنورة إلى نهاية الحكم الراشدي عام 660 م (1 إلى 40 هـ)، وامتداداً إلى الحقبة الأموية (661-750م الموافق 41-132هـ)؛ أي طوال الفترة من 661-750م وبما يزيد على قرن وربع، قد تزامنت فيها الدعوة الإسلامية مع الاحتلال البيزنطي للشام ومصر، فاتخذت الفتوحات الإسلامية طابع (التحرير) وتمّ التحالف مع الكنائس الشرقية بداية من (مقوقس) الأقباط في مصر إلى الكنيسة السريانية في سورية التي فتح قساوستها بوابات دمشق أمام زحف خالد بن الوليد.

كما تزامنت الدعوة الإسلامية بوصفها دعوة عالمية وموحدة مع هيمنة اللاهوت التثليثي المسيحي، والممتد إلى مرجعية (بولص) أو اليهودي (شاول) على الصحيح.

فنتيجة للعاملين، الديني والتحريري، اندلعت الحروب بين الطرفين بداية بمعركة (تبوك) التي قادها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم- عام 9هـ الموافق 630م، ثم بدء تحرير الشام والعراق في 12هـ الموافق 633م، ولم تتمّ المصالحة، وقد كانت مؤقتة، بين الطرفين إلا على يد معاوية بن أبي سفيان والإمبراطور قسطنطين الثاني سنة 41هـ الموافق 661م، غير أنّها استؤنفت بعد ذلك.

واستمرّ وضع الصدام على مدى الحروب الصليبية (1095إلى 1270م) ثم طرد العرب المسلمين من الأندلس عام 1492م بعد أن فتحوها بداية من عام 710 م -91هـ [14].

وكاد البطش الأوروبي المسيحي بعد سقوط الأندلس أن يحيي مآثر الحروب الصليبية على مستوى الوطن العربي بأسره بعد أن أصيب هذا الوطن العربي بالتفكك منذ الغزو المغولي لبغداد عام 1258إلى أن قيّض الله صعود العثمانيين (عسكرياً) في الخاصرة الشرقية من أوروبا وشنّهم على مدى قرنين حملات استهدفت العمق الأوروبي منذ حصارهم (بلغراد) في عام 1456م وهزيمتهم للنمسا وروسيا ما بين عامي 1735 إلى 1739م وقبل ذلك هزيمتهم العسكرية للتقدم البرتغالي باتجاه سواحل البحر الأحمر عام 1558م.

ومن بعد انقضاء تلك الحقب، دخلنا مرحلة الاستعمار الأوروبي من احتلال فرنسا للجزائر عام 1830 ثم تونس عام 1881، ومن بعدهما المغرب 1906، ثم الاحتلال الإيطالي لليبيا عام1911، واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882، ثم العراق، 1917، ومن قبل ذلك عدن عام 1839 والخليج العربي، والوطن العربي كله تقريباً. ولم يتبقّ من الوطن العربي إلا هضاب (نجد) و(اليمن).

هذا تاريخ حافل بالصدام الذي بدأ دينياً وتحريرياً منذ عام 630م، واستمرّ عبر الغزوات والحروب الصليبية إلى الاستعمار المباشر مطلع القرن التاسع عشر إلى خمسينيات وستينيات القرن العشرين. ثم تبع ذلك ما رأينا من زرع للكيان الصهيوني واستهداف مستمر للمنطقة عبر حربين خليجيتين ثم تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 وتداعياتها المستمرة حتى الآن.

فهل بالإمكان طرح حوار في هذه الأجواء؟

نقول: نعم، وذلك بدافع الواجب الديني، فنحن أمّة دعاها الله ـ سبحانه وتعالى ـ (للخروج) إلى (الناس كافة) بهذه الرسالة الخاتمة لكلّ الرسالات، والتي تنزلت على نبي خاتم لكل النبوات. (كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) – (آل عمران / ج4 / ي 110).

ثم بوّأنا الله ـ سبحانه وتعالى – منطقة (الوسط الجغرافي) من العالم، حيث ملتقى القارات الثلاث (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، وجعل لنا الشهادة على الناس من حولنا بحكم موقعنا الجغرافي، والشهادة حضور ومعايشة ومتابعة: (وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس). أمّا بالنسبة للشهادة علينا، فهي للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (ويكون الرسول عليكم شهيداً)، ثم ربط الله هذا التوسع المكاني الجغرافي بالقبلة: (فولّ وجهك شطر المسجد الحرام) ـ (البقرة / ج 2 / الآيات 142-143-144).

فهناك خروج للناس، وشهادة على الناس، ومن موقع جغرافي وسط. أمّا الذين اتخذوا من موقع الوسط الجغرافي دلالة على (وسطية فكرية)، فعليهم مراجعة النصوص القرآنية من جديد وفي سياقها اللغوي والمنطقي، فالقرآن منهج محدد ومعرفة دقيقة، والوسطية المدّعاة تلفيق وتوفيق بمنطق (خير الأمور الوسط) في كلّ نازلة ولدى كلّ مذهلة حتى في الصلح مع إسرائيل. فواجبنا الديني يحتم علينا حوار الحضارات، والحوار مع الحضارة الغربية، وقد ميزنا الله دون علو في الأرض بالمسؤولية (خاصة) عن الذكر، حين قال سبحانه: وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) (الزخرف / ج25/ي 44)، غير أنّ ملابسات الحقب الأولى التي اختصرنا مادتها حالت دون ذلك، فهل يعني ذلك انعدام إمكانيات الحوار؟

إنّ الحوار لا يتمّ بين (نقيضين)، ولكنه يتمّ ما بين (قواسم مشتركة) يتواضع عليها طرفان أو أكثر. والقواسم المشتركة الوحيدة التي يمكن أن تكون مجالاً بيننا وبين الحضارة الغربية هي حين يتحرّر الغرب من ثلاث:

1.النزعة اللاهوتيّة.

2.والنزعة الصليبيّة المتولدة عنها.

3.والنزعة الاستعماريّة والهيمنة التي توظفهما معاً، سواء لدى الحقبة التقليدية من الاحتلال المباشر أو العولمة الزاحفة بهيمنتها أمريكياً.

وعبر هذه الثلاثية، أسهمت الحضارة الغربية في زرع الكيان الصهيوني، فأين يمكن العثور على العقلية الغربية القابلة لهذا الحوار بمعزل عن هذه الثلاثية؟

بالطبع سنجدها، ولكنها (استثناء) وليست (قاعدة)، إلا فيما يخصّها من رفض لهذه الثلاثية ولكن ليس فيما يخصّنا.

فهناك العقلانية الأوروبية التي صارعت اللاهوت التثليثي، والكهنوت الكنسي منذ القرن السادس عشر مستخدمة منطق الاستدلال العقلي الطبيعي، ثم منذ القرن الثامن عشر مستخدمة منطق الاستقراء العقلي العلمي نتيجة لبواعث الثورة الصناعية وتطور العلم، وهذا مساق تاريخي طويل[15] انتهى الآن بالفلسفة الوضعية المنطقية.[16]

إنه مهما كانت النتائج الفلسفية (الوضعية) التي (تستبعد) الدين في مجالات المجتمع والحياة والفكر، أو (العلمانية) التي (تحيّد) الدين ولا تلغيه، فالذي يهمنا من أمر دراستنا هذه هو أنّ عقلانية أوروبية تطوّرت منذ القرن السادس عشر إلى اليوم قد حسمت المعركة مع اللاهوت المسيحي ولكنها لم تكتشف بعد (إلهاً جديداً)، فأصبحت هذه العقلانية تدور في فلك الفراغ (اللا أدري) ولكنها لم تتجه للإسلام بمنطق (القاعدة) وليس (الاستثناء).

ممّا يباعد بينها وبين الإسلام، وهو في الحقيقة ما يباعد بينها وبين المسلمين، ويتلخّص التباعد في أمرين:

أولاً: الإرث التاريخي الذي ذكرناه.

ثانياً: أنّ العقلية العربية الإسلامية المقابلة لسقف التطور العقلاني الأوروبي بالكاد أن تكون موجودة، وإذا وجدت فهي جزئية وغير فاعلة حضارياً حتى في داخل مجتمعاتنا، بل يعلو عليها صوت الفكر الإسلامي التقليدي الذي يعتمد على مرجعيات (النقل) و(القياس) وليس على مرجعيات (الرأي) والفلسفة فيما كان من تراث سابق طوال ما بين القرنين التاسع إلى الثالث عشر الميلادي[17]، ونهاية القرن الثامن عشر إلى مطلع القرن العشرين فيما يعرف بمرحلة فكر النهضة[18] المعاصر.

فهناك إذن فارق كبير بين بنائية مجتمعاتنا العقلية التي ما زالت تقوم كما ذكر الدكتور (محمد عابد الجابري) على البرهان والبيان والعرفان،[19] وهي تمثلات ترجع إلى مرحلة ما قبل الصناعة، حيث كان السائد هو نمط الحياة البدوية والزراعية والحرفية اليدوية؛ أي مرحلة ما قبل استخدام التقنية ولو في أبسط مستوياتها وقبل الطاقة، فهذا النوع من التطور المادي ينعكس بدوره على الفكر، فيتحول مفهوم التكرار والتعاقب إلى (صيرورة) مثلاً، وتدرس الظاهرات الفيزيائية والبيولوجية وغيرها خارج منظورها المرئي بمنطق اللاتناهي في الكبر واللاتناهي في الصغر، وتؤخذ علاقتها بالنسبة والاحتمالية.[20]

شكّلت هذه الخلفيات العقلية الأوروبية المعاصرة (على مستوى الاستثناء الذي ذكرناه)، ولكنه لم يوجد ما يماثلها على مستوى البنية الفكرية في الواقع العربي المعاصر، حيث يصبح العقل النقدي العلمي التحليلي رائداً لتطورنا، خصوصاً بعد انقطاع مرحلة فكر النهضة ومجادلاته الحيّة منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي تقريباً.

لهذا يطالب الآن كثير من المفكرين والكتّاب بثورة ثقافية وصناعية لإعادة تشكيل العقل العربي، وتختلف اختياراتهم ما بين تبنّي (الحداثة المعاصرة) على النسق الأوروبي، أو تأصيل الحداثة بموروثها العقلاني الإسلامي، وهذا باب مفتوح ظهرت (إرهاصاته)، ولكن لم تبدأ مسيرته بعد، لا على مستوى (التجديد الفعلي) في ديننا وفروعه الفقهية[21] ولا على مستوى تطورنا الاجتماعي ونمونا الاقتصادي، غير أنّ دوافع التطور تحت ضغط العولمة الزاحفة بتحدياتها ستدفع بنا خطوات في هذا الاتجاه، وبالكيفية التي اندفعنا بها تحت ضغط تحديات الغرب نهاية القرن الثامن عشر.

المدخل الثاني لوجود هذه القواسم المشتركة التي يمكن أن تدفع بالحوار هو تحرّر العقلانية الغربية من نزعة الاستعمار وتوظيف العولمة لاستلاب الآخرين، دينياً وقومياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، أو الاستلاب بشمولية كاملة.

فليس المطلوب العقلانية المتحررة من اللاهوت فقط، وإنّما العقلانية الرافضة لنزعة الهيمنة أيضاً التي تقرّ بوجود مساحة كافية لوجود الآخر والتعامل معه بنديّة وتكافؤ. إذ هنا يأتي الإشكال في التعاطي مع العقلية (الأدائية) و(النفعية) في تركيب النظام الرأسمالي، ولو تطور مفكروه عقلانياً، وأحدثوا (قطيعة معرفية) مع اللاهوت والإرث الصليبي.

يعني ذلك أنّ المطلوب هو ارتباط العقلية الغربية بنزعة إنسانية في تعاطي مجتمعاتها مع الشعوب، حيث تتخلى عن الروح الصليبية كمدخل ثانٍ والروح الاستعمارية كمدخل ثالث.

والمدخل الثالث للحوار يقود لأن تتخلى هذه العقلانية الغربية عن (الجنين الإسرائيلي) للاهوت من جهة، وللنزعة الاستعمارية من جهة أخرى، وإرث الحروب الصليبية من جهة أخيرة.

وقتها تثبت العقلانية الأوروبية المتحرّرة عن جدارتها للحوار، ليس معنا فقط، وإنّما مع كل شعوب العالم وحضاراته وثقافاته.

دون ذلك يكون الحوار مجرد (مقبّلات) لا يعقبها إلا طعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. تماماً كحوار الديانات السماويّة التي ترجع لإبراهيم عليه السلام دون أن تكون (توحيدية) إبراهيم، وتوجهه بقلب سليم لتنزيه فاطر السموات والأرض هي (أساس) الحوار.

مهماتنا العاجلة:

لا يعني ذلك أن ننتظر حتى تأتي الشمس من المغرب أو من مغربها؛ فالمطلوب منا تأدية الدور الحضاري الحواري مع (النخب) في الحضارة الغربية، (الأوروبية منشأ والأمريكية محصلة)، فإذا كان الإسرائيليون قد زرعوا أنفسهم في المجرى التاريخي والثقافي والسياسي للحضارة الغربية حتى أنسوها تاريخ الاضطهاد المسيحي لهم حتى في مرحلة الحروب الصليبية، فإنّ من مهماتنا مد الجسور ـ عبر ذاتنا – وجوارنا الجغرافي لهذه الحضارة الغربية، لنعيد تقييم ما كان بيننا، ولنطرح ما نأمل أن يكون حاضراً ومستقبلاً.

ومثل هذا العمل يتطلب جهود نخبة عربية (موازية) في عقلانيتها لسقف التطور الأوروبي دون فقدان (خصوصياتنا) التي لا تتعارض أصولها القرآنية والإسلامية مع حقائق الإنسان والكون كاللاهوت المسيحي الذي ثار عليه الغرب.

وهذا يقتضي من جانبنا ـ كما ذكرت – دوراً اجتهادياً بنوعية جديدة ومتميزة، على مستوى فهمنا للمناهج المعرفية المعاصرة والأنساق الحضارية الحيّة، واسترجاع ماضينا استرجاعاً نقدياً وتحليلياً.


[1] آرنولد توينبي ـSTUDY OF HISTORY- 12 مجلداً باللغة الإنجليزية- ثم إصدار ملخص لها في أربعة مجلدات باللغة العربية: (مختصر دراسة التاريخ)- مراجعة الترجمة (شفيق غربال) ـ جامعة الدول العربية – الإدارة الثقافية ـ القاهرة ـ ط1- 1960

و: ويل ديورانت – قصة الحضارة – الترجمة العربية: د. زكي نجيب محمود ـ 21 مجلداً ـ دار الجبل – بيروت / تونس – 1419 هـ / 1998 م.

[2] SAMUEL P.HUNNTINATION-THE CLASH OF CIVILIZATIONS-THE BEBATE – A FOREIFN AFFAIRS READER-NEW YORK.

[3] THE NEW ISLAMIST INTERNATIONALISM-TASK FORCE ON TERRORISME AND UNCONVENTIONAL WARFARE-HOUSE REPUBLICAN RESERCH COMITEE-U.S HOUSE OF REPRESENTATIVES-WASHENGTON D.C 20515-FEBRURARY, 1993

[4] YOSSEF BODANISKY –TARGET THE WEST – TERRORISM IN THE WORLD TODAY SPI BOOKS – NEWYORK – 1993

[5] ملف صدام الحضارات – مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق – شؤون الشرق الأوسط – ط 1995 ـ ص 9 ـ بيروت.

[6] المصدر السابق – صراع حضارات أم إدارة أزمات – ص 99/100/101

[7] ألبرت حوراني – الفكر العربي في عصر النهضة ـ 1798 / 1940 ـ دار النهار للنشر – الترجمة العربية ـ كريم عزقول ـ بيروت ـ 1977 وكذلك: عبد الله العروي ـ العرب والفكر التاريخي ـ دار الحقيقة ـ بيروت ـ 1973

[8] د. تركي الحمد ـ العولمة في البحث عن تعريف ـ من أبحاث (منتدى التنمية) ـ اللقاء السنوي الحادي والعشرون ـ 3و4 فبراير 2000 ـ دول الخليج والعولمة ـ ط 1- الكويت 2000 (الانعقاد في مدينة دبي) ص 19/25

[9] موسى الزعبي – ما الذي تغير في الحضارة الغربية: الاستراتيجية أم التكتيك؟ – الشادي للنشر والتوزيع ـ دمشق ـ 1995 ـ ص 15/18/ط 1

[10] د. عامر سليمان وأحمد مالك الفتيان ـ محاضرات في التاريخ القديم ـ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ـ الجمهورية العراقية ـ جامعة الموصل ـ 1978 ـ ص 373/380

[11] د. عزمي إسلام اتجاهات في الفلسفة المعاصرة ـ الفصل الثالث ـ الفلسفة البرجماتية PRAGMATISME- ص 85/106 ـ وكالة المطبوعات ـ الكويت ـ ط 1 – 1980

[12] FANCIS FUKOYAMA-END OF HISTORY-NATIONAL INTEREST – INTEREST– SUMMER– 1989 -ترجمة دار للنشر – SUMMER – 1989 – القاهرة 15/11/1990

[13] أنطوان شلحت- سياحة في أدب وفكر آرثر ميللر ـ فلسطين- الثورة عدد 171-12 مارس (آذار) 1979

[14] د. عبد السلام الترمانيني ـ أزمنة التاريخ العربي- الجزءان الأول والثاني من المجلد الأول ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 1402هـ / 1982م.

[15] جون هرمان راندال ـ تكوين العقل الحديث ـ جزءان ـ ترجمة الدكتور جورج طعمة ـ مراجعة برهان دجاني ـ تقديم الدكتور محمد حسين هيكل ـ دار الثقافة ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 1965

[16] د. عزمي إسلام ـ اتجاهات في الفلسفة المعاصرة- ص 109 وما بعدها ـ وكالة المطبوعات ـ الكويت ـ ط 1 – 1980

[17] أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ـ الملل والنحل (479/548 هـ) تحقيق محمد سيد كيلاني ـ دار المعارف- بيروت الجزء الأول من ص 38

[18] ألبرت حوراني ـ مصدر سابق.

[19] محمد عابد الجابري ـ تكوين العقل العربي ـ دار الطليعة ـ بيروت ـ 1984 كذلك بنية العقل العربي- مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت 1986 مؤلفات أخرى.

[20] د. منى فياض ـ العلم ودراسات في فلسفة العلوم ـ دار المنتخب العربي- توزيع المؤسسة الجامعية ـ بيروت ـ ص 131 ـ ط 1 ـ 1995م / 1415هـ.

[21] محمد أبو القاسم حاج حمد ـ لماذا فشلت حركات التجديد؟ ـ جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ـ العالمية الإسلامية الثانية ـ ص 335 ـ المجلد الثاني- دار ابن حزم ـ بيروت ـ ط 2 ـ 1996

البحث في الوسم
Facebook
Twitter
Email
Print

مقالات ذات صلة

علاقة-الدين-بالدولة
علاقة الدين بالدولة 

ارتبط موضوع البحث بعلاقة ثنائية بين الدين والدولة، غير أنه لا يمكن تفكيك ثم تركيب هذه العلاقة الثنائية إلا إذا بحثنا مسبقاً في علاقة ثنائية

Read More →