علاقة-الدين-بالدولة

علاقة الدين بالدولة 

ارتبط موضوع البحث بعلاقة ثنائية بين الدين والدولة، غير أنه لا يمكن تفكيك ثم تركيب هذه العلاقة الثنائية إلا إذا بحثنا مسبقاً في علاقة ثنائية أخرى تنعكس أو تسقط نفسها على علاقة الإنسان بالله. فإذا انتفت هذه العلاقة من جهة، أو وجدت من جهة أخرى ولكن دون أن تؤدي إلى قيام علاقة بين الدين والدولة، يصبح البحث خارج نطاقه الموضوعي.

أما حين توجد العلاقة بين الله والإنسان، وتكون مفضية بالضرورة إلى العلاقة بين الدين والدولة، فيجب أن نبحث وقتها في أمرين:

هنا نستخدم قدراً كبيراً من التفكيك والفرز المعرفي، وقدراً كبيراً من الصيرورة الجدلية، ولكن دون حتميات دغمائية. فالمعرفية العلمية المعاصرة تتجه إلى اللاثنائيات المفتوحة، وهي أول أساس علمي يتوصل إليه التطور المعاصر لانتقال الإنسان من الوضعية إلى الكونية، وهي أول خطوة علمية إنسانية عالية متقدمة باتجاه المضمون المعرفي الكوني للقرآن.

ولذا تعلقنا بهذه الدراسة الإبستمولوجية التي تأتي في مرحلة التطور الرابع للفكر الإنساني، الذي بدأ بالعقلية الأسطورية الخرافية الإحيائية، وأبرزها عبادة الآلهة المتعددة، ثم تطور إلى العقلية الطبيعية بإدراكاتها التأملية والحدثية والتجريبية الأولية وشكوكياتها، ثم تطور إلى العقلية الوضعية التي ربطت بين العقل وضوابط العلم في مراحله الأولية، ثم جاءت هذه المرحلة الرابعة التي فجرتها الثورة الفيزيائية العالية متجاوزةً لأي منطق مادي أو مثالي.

وهي الثورة التي جردت الصيرورة الجدلية من ماديتها، وجردت الفكر الوضعي من تحجره، فاقتربت من سورتي فاطر والرعد، وفي السورتين مداخل تأسيسية لهذا المنهج الإبستمولوجي الذي نستمده في هذه المحاضرة أو هذا البحث، إذ يتجاوز الوضعية إلى الكونية.

إذ تقول سورة الرعد، بعد أن كشفت عن البنائية الكونية في مقدمتها:

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
(الرعد: 4)

وهنا مركبان: تربة وماء، ولكن بحكم لاثنائية التركيب في كل مادة من المادتين، وتفاعلهما الكوني، وليس العلمي الوضعي المختبري المحدود، يأتي ناتج المادتين لاثنائياً. وهذا هو الانتقال من الوضعية العلمية إلى الكونية، والارتقاء بالنظرية النسبية إلى خارج الغلاف الأرضي ودمجها في ثورة فيزيائية كونية مكنتنا من الوصول إلى الكواكب الأخرى، وبالطبع دون أن نجد الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كل هذه السماوات، لأنه ـ سبحانه ـ خارج، بحكم استحالة تجسده، عن كل زماننا ومكاننا.

وكذلك تقول سورة فاطر، نقيض ما قالته سورة الرعد، إذ تأتي بمركبين لا يكون نتاجهما إلا واحداً محدداً:

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
(فاطر: 12)

وتحيط سورة فاطر أيضاً بالبنائية الكونية، متجاوزةً محدودية المنهج العلمي الوضعي التي يحاول المنهج الإبستمولوجي الآن طرق أبوابها.

ثم يسمو القرآن على الإبستمولوجيا المعاصرة ليقودنا إلى ما لم نصل إليه بعد، وهو الجانب التركيبي؛ إذ تقتصر الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة الآن في جهودها على الجانب التفكيكي، وتفتح النظرية النسبية على كل الاحتمالات، وليس على الغاية الوظيفية التركيبية للخلق وتفاعلات المادة. بحيث تتركب النهايات في لحم طري، وفي نخيل صنوان وغير صنوان.

فمنهجنا، إذ يأخذ بالمعرفية الإبستمولوجية المعاصرة في البحث بوصفها حلقة التطور الرابعة في مسيرة الفكر الإنساني، ويستند إلى عمليتها التفكيكية ونسبيتها الاحتمالية المفتوحة، وتخلصها من الفكر الوضعي الجامد، فإنه أيضاً يستصحبها باتجاه الكونية القرآنية التي تنقلها من التفكيك إلى التركيب، حيث يكون للخلق الكوني غايات إلهية، وليس الخلق من أجل مجرد الخلق، ولا المادة من أجل مجرد التفاعل.

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(الدخان: 38–39)

في إطار منهجية القرآن المعرفية هذه، ومقدماتها الإبستمولوجية المعاصرة، ندخل في هذا البحث لنتعرف على صلة الدين بالدولة من خلال صلة الإنسان بالله؛ كيفما يرى الإنسان هذا الله وفق تصوراته وتفسيره للخطاب الإلهي أيديولوجياً وتراثياً، وعلى ضوء نسبية واقع الإنسان.

في إطار استخدامنا لهذا المنهج ستظهر أمامكم بعض الإشكاليات، وهي مرجعية ما نتوصل إليه من نتائج. فالمرجعية، حتى الآن، وبالذات فيما يتصل بالقضايا الدينية، ترتبط لدى معظم علمائنا الأجلاء بما توارثوه من فهم للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، أقوالاً وأفعالاً، وبما اجتهدوا فيه. ونحن معهم في مرجعية القرآن والسنة النبوية، ولا خلاف معهم مطلقاً حول ذلك.

ولكن الخلاف، وهو أمر طبيعي، يرتبط بتمايزات المناهج المستخدمة، وهذا حادث حتى بين علمائنا الأجلاء؛ فمنهم من يتبع القياس، أو البرهان، أو البيان، أو العرفان، ومنهم من يعمل بالرأي أو يعمل بالمأثور، ومنهم من يأخذ بالتفسير الموضوعي. فما نأتي به هو إضافة منهج جديد في عصر مغاير.

ويستند الأمر هنا إلى خاصيتين في القرآن الكريم:

الأولى: قدرته على التعامل مع كافة المناهج، السابقة واللاحقة، والتي لم تلحق بعد.

الثانية: قدرته على التفاعل مع كافة إشكاليات العصور والأمكنة المتجددة.

فعلى مستوى المناهج المتعددة والمتنوعة نجد أن القرآن يستخدم منهج القياس، مثلاً، في قوله تعالى:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
(الغاشية: 17–20).

وكذلك يأخذ بمنهج المماثلة ليقرر مبادئ كونية في التفعيل الخلقي لعلاقة الإخصاب الذكوري والأنثوي، فيقول تعالى:

﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ۝ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ۝ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾

ثم تأتي المماثلة الكونية بقوله تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ۝ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾
(الطارق: 11–12).

ففي سورة الغاشية يقاس ارتفاع الجبال بما نراه من قوائم الإبل، كما يقاس ارتفاع السماء بعمد لا نراها، وتقاس أسنمة الإبل بالجبال، كما يقاس سطح الأرض بتسطيح خف الإبل.

أما في سورة الطارق فيماثل التفعيل الذكوري والأنثوي بالنسيج الكوني؛ حيث يخرج ماء الرجل الدافق من صلبه، كدفق السماء لمائها تجاه الأرض ذات الصدع، بينما الأنثى يخرج ماؤها من بين الترائب، فتكون تربتان تمتصان وتتفاعلان مع ماء دافق.

وهناك منهج الوحدة الجدلية الرابطة لكل الظواهر في حركتها الكلية، كما في قوله تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
(يس: 40).

ويأخذ القرآن أيضاً بالعرفانية الربانية المرتبطة بالعلم الإلهي اللدني، في قوله تعالى:

﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾
(الكهف: 65).

كما يأخذ بإعمال الرأي نقداً وتحليلاً وتمحيصاً للأمور، في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
(الإسراء: 36).

وبالإمكان المضي في حصر العديد من المناهج التي يوظفها القرآن لدراسته، فهو ليس حكراً على منهج واحد.

ويرتبط هذا الاتساع المنهجي القرآني بخاصية القرآن العالية من ناحية، وبخاصية تواصله الموضوعي والتاريخي مع كافة العصور والأمكنة المتجددة، بحكم خاتميته لكل رسالات الله، من ناحية أخرى.

لذا ميّز القرآن بين تاريخانية محددة اقتضتها السنة النبوية الشريفة، وبين إطلاقيته المتجددة. فقضى الله أن تكون السنة تصديقاً لما بين يدي الرسول ﷺ، ثم قضى بأن تكون الاستمرارية المتجددة عبر ثلاثة أنماط من حملة الكتاب:

﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ۝ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾
(فاطر: 31–32).

وما أوحي للرسول ﷺ من القرآن، مصدقاً لما بين يديه في حاضره، هو مضمون السنة النبوية الشريفة، التي عصمت بعصمة القرآن نفسه؛ فكلاهما، القرآن والسنة، منضبطان كوحي إلهي، كما تنضبط مواقع النجوم.

قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ۝ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ۝ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ۝ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
(الواقعة: 75–79).

وكذلك السنة النبوية، في قوله تعالى:

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ۝ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ۝ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ۝ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾
(النجم: 1–5).

فكلية محمد ﷺ وحيٌ إلهي متجانب للخطأ، صغيراً كان أو كبيراً، وتحيط به العصمة لنفي ما يشوبه، حتى إذا غضب على قومه وتمنى ما تمنى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(الحج: 52).

فمنهجنا يأخذ بكمال العصمة الإلهية للقرآن والسنة النبوية معاً. لذا لا نأخذ بنسخ السنة للقرآن، أو نسخ القرآن للسنة.

أما في تدقيق السنة فإننا نضاهيها بالقرآن من حيث متن الأحاديث، ولا نأخذ بالسند أياً كان، لأن في السند من يضع، وكم من حديث موضوع يشيع بين الناس، أحسنوا سنده ولم يحسنوا متنه، وهو متناقض مع القرآن، كحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، في حين تقول سورة البقرة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(البقرة: 104).

وكذلك قوله تعالى:

﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
(النساء: 46).

ومن وراء هذا الكفر اليهودي شاع هذا الحديث الموضوع، وطغى على المسيحيين حين استخدموه في «راعي الكنيسة». وليس هذا سوى جزء يسير من المدسوس اليهودي، ولكنه مدسوس محكم وخطير، ويستهدف غايات محددة سنأتي عليها حين أبحث في التشريع الإسلامي والنسق الديني للإسلام ومفارقته للنسق التوراتي.

فالإسرائيليون، شأنهم شأن كل الديانات اللاحقة، يحاولون إسدال ستار بين المؤمنين من سواهم وبين الله سبحانه وتعالى، حتى يخلو لهم وحدهم وجه الله من دون العالمين. وهذا ما فعلوه حتى بأخيهم يوسف:

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾

واندفعوا إلى ذلك بغيهم، فقالوا:

﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ۚ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
(يوسف: 8–9).

وكل الفارق بين فعلتهم تلك بيوسف، وفعلهم في الأديان من بعد اليهودية، أنهم مارسوا الدس لاغتيال هذه الأديان من داخلها، حتى يخلو لهم وجه الله، سواء أراد الله ذلك أم لم يرد، سبحانه وتعالى عما يصفون.

ولذا نبه القرآن، حين نسخ تربتهم ونهى عن قول: راعنا، فقال تعالى:

﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ۝ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(البقرة: 105–106).

الفصل الأول

علاقة الله بالإنسان

تحددت علاقة الله بالإنسان، قبل الإسلام، بخطاب حصري موجه إلى قومية محددة هي الإسرائيلية، وذلك منذ ألف وأربعمائة عام قمري قبل الميلاد الشمسي. وتميز ذلك الخطاب الحصري بحاكمية إلهية مباشرة على شعب بني إسرائيل عبر الأنبياء وتتابعهم، إذ شكلوا الوسيط بين الله وشعبه. وصاغ الله العهد بينه وبينهم في التوراة، وألزمهم بالوصايا العشر، وأوقف عليهم أرضاً أسبغ عليها القداسة بحكم أنها مرتكز حكمه المباشر.

وتجاوز ذلك الحكم الإلهي المباشر قدرات الطبيعة والإنسان معاً، منذ أن أمر الله الإسرائيليين بالخروج من مصر والتوجه إلى فلسطين. إذ كانت هناك عصا موسى، والبحر الذي ينغلق، والحجر الذي ينبجس منه الماء، والمن والسلوى.

وبمستوى خارق العطاء الإلهي كان خارق العقاب الإلهي، بشرعة أسماها الله شرعة الإصر والأغلال. ولم يعاملهم الله بأي نوع من التخفيف والرحمة، ليكافئ بين خارق العطاء وخارق العقاب. وكذلك بمرجعيات التفضيل، في قوله تعالى:

﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
(البقرة: 47).

وتمرد الإسرائيليون، من بعد موسى والأنبياء الذين خلفوه، على الحاكمية الإلهية المباشرة، وطالبوا بملوك من بينهم يستخلفهم الله عليهم حكماً غير مباشر، كما في قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
(البقرة: 246).

ثم قال تعالى:

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾
(البقرة: 247).

ثم كرس الله حاكمية الاستخلاف هذه بأن آتى الملك لداود ثم لسليمان، فانتقلت العلاقة بالله من حاكمية إلهية مباشرة إلى حاكمية استخلاف.

وخص الله حاكمية الاستخلاف عنه بأن وهب للمستخلفين قدراتٍ إلهية للهيمنة على الكائنات، بما فيها الجن، وقدراتٍ للهيمنة على الطبيعة، بما فيها الرياح، غدوها شهر ورواحها شهر. فحاكمية الاستخلاف ورثت أيضاً من قدرات الحاكمية الإلهية المباشرة، وكان الله يتدخل في تصحيح أحكام خلفائه، حتى حين نفشت الغنم في حرث القوم.

ثم اختتم الله المرحلتين، مرحلة الخطاب الحصري والحاكميتين: الحاكمية الإلهية المباشرة، وحاكمية الاستخلاف، بظهور السيد المسيح عيسى بن مريم، ليغلق على الحقبة الإسرائيلية في علاقتها بالله. فانتهت قدسية الأرض، وانتهى التفضيل، وانتهى العهد، ثم رُفع السيد المسيح بعد أن أدى واجب الإنذار النهائي، عبر معجزات فاقت قدرات المستخلفين، ومن بينها إحياء الموتى.

ولكن قبل أن يُرفع المسيح قال كلمته الأخيرة لهم:

﴿إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾
(الصف: 6).

وبعد سبعة قرون قمرية من انتهاء الحقبة اليهودية بكامل خصائصها المتعلقة بنوعية العلاقة مع الله، وبعد واحدٍ وعشرين قرناً من تنزيل التوراة، نسخ الله الخطاب الحصري: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بخطابٍ إنساني عالمي:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
(سبأ: 28).

الإسلام والمنعطف الجذري في علاقة الإنسان بالله

نسخ الإسلام نسق العلاقة الإلهية الخاص بالحقبة اليهودية، بما فيها من خطاب حصري، فتحول إلى خطاب عالمي. كما نُسخت شرعة الإصر والأغلال بشرعة التخفيف والرحمة، وتحول الخطاب من الأرض المقدسة إلى الأرض الحرام، وامتنعت خوارق العطاء والمعجزات.

قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا ۝ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾
(الإسراء: 90–91).

لقد طلب العرب من خاتم الرسل والنبيين كل ما كان لموسى والسيد المسيح من قبل، بل وما كان لداود وسليمان أيضاً، فقال تعالى:

﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾
(البقرة: 108).

حل الإسلام بنسقٍ آخر في العلاقة مع الله، فهو خطاب عالمي، وبالإسلام انتهت حاكميتان: الحاكمية الإلهية المباشرة، وحاكمية الاستخلاف؛ الأولى عبر تتابع الأنبياء الذي خُتم، والثانية عبر حاكمية الملوك المستخلفين. وجاء الإسلام بحاكمية الكتاب، حيث لا كتاب بعده، ولا نبي بعده، ولا رسول.

لم يأتِ هذا النسق الإسلامي الناسخ للنسق اليهودي في العلاقة مع الله عبثاً، فقد قرر الله هذا النسق الجديد قبل واحدٍ وعشرين قرناً قمرياً من بعثة خاتم الرسل والنبيين، وليس بعد انقضاء الحقبة اليهودية الإسرائيلية، ولا حتى في أثنائها، وإنما في مطلعها. وذلك حين عبد الإسرائيليون عجل الذهب الذي له خوار، فلما جاءوا للاعتذار أوضح الله لهم طبيعة نسقهم الديني في العلاقة معه، وطبيعة النسق القادم.

﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ۝ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
(الأعراف: 155–158).

لقد تقرر النسخ والإتيان بنسق جديد في العلاقة مع الله قبل واحدٍ وعشرين قرناً من ظهور الإسلام في الأرض الحرام: عالمية الخطاب، وكونية القرآن، وحاكمية الكتاب، وشرعة التخفيف والرحمة، ووضع شرعة الإصر والأغلال جانباً.

إنه نسق مختلف جذرياً، ولذلك فإن انعكاساته على علاقة الدين بالدولة مختلفة جذرياً كذلك.

الإسلام والإطلاقات الثلاثة

تنزل القرآن، بصفته الكونية، كمعادل بالوحي لإطلاق الوجود الكوني وإطلاق الإنسان، متضمناً العلاقة الجدلية بين الغيب والإنسان والطبيعة. فهو ليس ككتاب العهد القديم التوراتي الذي جدده العهد الجديد الإنجيلي؛ فتلك حالات حصرية، وكتبها حصرية، ونسقها مختلف، وحاكميتها مختلفة، وخطابها مختلف، وعلاقة الدين بالدولة فيها مختلفة.

لقد طُرح الدين عالمياً: ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فتنزل الكتاب الذي يتكافأ بإطلاقه اللاثنائي مع مطلق الإنسان بنوعه اللاثنائي، ومع مطلق الوجود بتركيبته اللاثنائية، والتي أبصرنا جانباً منها في سورتي الرعد وفاطر.

وحين تتفاعل هذه الإطلاقات الثلاثة بعضها مع بعض، نصل إلى قمة المعرفة الكونية في العلاقة مع الله. غير أن الله لا يجعل من هذا التفاعل المطلق شرطاً للعلاقة به، وإنما يتدرج بالدين في العلاقة معه إلى الحد الأدنى، نظراً لعالمية الخطاب الذي يتوجب عليه التفاعل مع كافة الأنساق الحضارية، وكافة المناهج المعرفية، بما فيها من تعدد وتنوع في المركبات.

والحد الأدنى الذي نؤسس عليه العلاقة ما بين الخالق والخلق هو قوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ۝ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾
(الأنبياء: 16–18).

فهناك التزامٌ إلهي تجاه الحق الذي خُلق به، ومن أجله، العالم؛ وهو التزام بتصحيح وتقويم سلوكيات الإنسان، بنقله من الحالة الغريزية البهيمية إلى الحالة الإنسانية، عبر كافة أشكال الممارسات الأخلاقية والثقافية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبما يتسق مع طاقات الإنسان المطلقة ونزوعه اللامتناهي.

في هذا الإطار ملك الله الإنسان حقيقته الكونية، وهي حقيقة لم تملكها الحقبة اليهودية لأنها كانت حصرية. أما النصرانية، التي هي من فروع اليهودية أصلاً، فقد سعت عبر التأمل والرهبنة والفلسفات التقليدية والتاريخية إلى توسيع أفقها الكوني، وقد عانت ذلك في مرحلتين: مرحلة القرون الوسطى، ثم مرحلة الإصلاح والتنوير منذ القرن السادس عشر. وهذا موضوع سنتطرق إلى جانبٍ منه في بحثنا حول فصل الدين عن الدولة في إطار التطور الأوروبي ونسقه.

الفصل الثاني

الله والإنسان والتشريعات

فوارق التشريعات الثلاث

إن قيمة التشريع في تحديد العلاقة بين الله والإنسان ترتبط ببنائية الحق التي خلق الله بموجبها الخلق، فالخلق الإنساني ليس عبثياً.

قال تعالى:

﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾
(الأنبياء: 17).

فالله الأزلي، فوق مطلقات الإنسان والكون، وليس إله الأساطير الإغريقية، يقوم بأمرين:

أولاً: يحكم الخلق الإنساني بالتشريع، ليقوده إلى غائية الخلق تماماً.

ثانياً: يحكم الطبيعة الكونية بالتشريع الذي نسميه قانون العلوم الطبيعية، وذلك ليقود هذه الطبيعة إلى التسخير المتكافئ مع وجود الإنسان وحركته وحياته.

فهناك ترابط بين التشريع الإنساني والتشريع الطبيعي باتجاه الغاية. فدون إحكام للتشريع الإلهي بشرياً، ودون إحكام إلهي للقانون الطبيعي، يتحول الوجود الإنساني والوجود الطبيعي إلى فوضى وملهاة.

فالذين يعترضون على مبدأ أن يشرع الله للإنسان ضمن أهداف غائية، عليهم أن يقرنوا هذا الاعتراض بمبدأ أن يقنن الله للوجود الطبيعي ويسخره للإنسان. ولذا فإن من يعترض على التشريع الإلهي للإنسان، بينما يقبل بالقانون الطبيعي لأنه يحقق له مصلحته، يحمل تناقضاً لا يمكن تجاوزه.

غير أن الالتباس الخطير الذي وقع فيه الفكر الديني خاصة، والإنسان عامة، ناتج عن عدم معرفة الأصول التشريعية الثلاثة التي أحكم الله بها السياق البشري ضمن ثلاثة أنساق:

  • النسق التشريعي العائلي الآدمي.
  • النسق التشريعي اليهودي القومي الإسرائيلي.
  • النسق التشريعي الإسلامي العالمي.

النسق التشريعي الآدمي

كان هذا النسق هو الأكثر تطوراً في حياة البشرية، وبه بدأت، حيث تم الانتقال من مرحلة الفساد البشري البهيمي وسفك الدماء إلى مرحلة الحضارة الروحية الأولى.

فتنزلت شريعة الزواج وتأسيس العائلة، وقُيد الزواج بزوجة واحدة فقط، كما في قوله تعالى:

﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾
(البقرة: 35).

كما تم الارتقاء بحالة آدم وزوجه من الانفعال بالطبيعة إلى السيطرة والهيمنة الروحية عليها؛ فلم يكن فيها جوع ولا ظمأ، ولم يكن فيها عري ولا شعور بحر الشمس، فهم في جنة من ذلك كله.

قال تعالى:

﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾
(طه: 118–119).

وبهذا الارتقاء الروحي جعلت العبادة روحيةً خالصة، فلا صلاة فيها، ولا صيام، وبالطبع لا زكاة فيها، ولا حج، ولا مناسك أخرى.

كما أن أخطر ما في تلك الوضعية هو خلافة آدم التعالية؛ فهي ليست على البشر والجن وبعض الكائنات، كما كان الأمر لداود وسليمان، وإنما حتى على الملائكة أيضاً.

قال تعالى:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾
(طه: 116).

وهي خلافة روحية في المقام الأول.

ولم يتحمل آدم، في إطار خلافته الروحية التعالية، تكليفاً تشريعياً واحداً يتجاوز حدود العائلة. وذلك حين غوى، فجُرِّد، لا من الثياب ليعرى، وإنما من اللباس الذي ألبسه الله له؛ لباس الارتقاء الروحي والألفة الروحية في عالم الأمر الإلهي. فبدت سوءات الجسد البشري مجردةً عن ارتقائها السابق، فانفعل بالطبيعة بعد أن لم يكن ينفعل بها.

قال تعالى:

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى ۝ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾
(طه: 120–121).

والشجرة معنىً يتسع لكثيرٍ من الدلالات؛ فهي إما طيبة، وإما خبيثة ملعونة.

النسق التشريعي اليهودي

بعد انقضاء النسق التشريعي الآدمي تفوقت القوى البشرية، وما تواصل معها من جن وملائكة، في بابل الأولى، ضمن حضارة كونية أسست، فيما بعد، كبرى الحضارات في العالم.

وقد انتهت تلك المرحلة بفلك نوح المشحون، وهي من أدق المراحل التي تحتاج إلى محاضرة خاصة، لأن طبيعة تكوين تلك الحضارة ترتبط بعلوم كونية تعتمد على مدركات نفسية وفلكية، بما هو فوق العلوم الطبيعية البحتة.

فلما تدنت تلك الحضارة إلى الوثنية والسحر والممارسات الغريزية البهيمية، كان فلك نوح المشحون.

ثم ظهر منعطف النسق التشريعي اليهودي الإسرائيلي، وقد فصلنا الملامح العامة له من قبل: خطاب قومي حصري، وحاكمية إلهية مباشرة، ثم حاكمية استخلاف، وشرعة إصر وأغلال مقابل العطاء الخارق.

وتلك كانت مملكة خاصة بالله، في إطار ملكه للكون كله، ولذلك ميز الله ملكته تلك بتفضيل الشعب الإسرائيلي وتقديس الأرض.

ولم يكن ثمة ظلم في تلك المملكة الإلهية، إذ تكافأ العقاب مع العطاء. فجعل حد السرقة قطع اليد، لا بوصفه عقوبة، وإنما بوصفه نكالاً من الله. ومستوى النكال في التشريع اليهودي يوازي حتى المسخ إلى قردة وخنازير.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ۝ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
(البقرة: 65–66).

وبالمستوى نفسه من النكال الإلهي كان إغراق فرعون، كما قال تعالى:

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ۝ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾
(النازعات: 24–25).

فقطع اليد عقوبة نكالية، بمستوى ادعاء فرعون للألوهية، وبمستوى المسخ إلى قردة وخنازير. وهي من عقوبات الإصر والأغلال اليهودية، ولا علاقة لها بالنسق الإسلامي.

ومع ذلك، طبقها بعض المسلمين لمجرد ورودها في القرآن، ولم يبصروا نسخ الحقبة اليهودية، ولم يثبت عن الرسول الخاتم ﷺ قط أنه طبقها. فلو طبق الرسول تلك العقوبة لكان قد نسخ ما ورد في خطاب الله لبني إسرائيل حين رجفوا عند الجبل، وطالبوه بالعفو، فأوضح الله لهم أن العفو ووضع شرعة الإصر والأغلال يرتبطان بالنبي الأمي، وليس بهم، بعد أن أعطاهم ما أعطاهم وفضلهم على العالمين.

قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
(الأعراف: 157).

فليست المساجلة هنا فقهية، وإنما هي أكبر من الفقه، لأنها ترتبط بصميم خصائص مقتضيات النبوة والرسالة الخاتمة.

فالذين أثبتوا قطع اليد في الحقبة النبوية الشريفة لا يعلمون أنهم، بذلك، قد نسخوا نسخاً تاماً خطاب الله لبني إسرائيل عند الجبل.

وضمن شرعة الإصر والأغلال اليهودية يأتي أيضاً سياق العقوبات في سورة المائدة؛ فلا عفو عن القاتل، ولو بالدية أو بعفو أهل الدم، فالقاتل يقتل، وقد طبق أنبياء بني إسرائيل هذه العقوبة بسيوفهم.

ويسري الأمر على العقوبات الأخرى الخاصة بالنفي، والقتل، والصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف؛ فتلك من عقوبات الإصر والأغلال، ولا علاقة لها بالنسق الإسلامي. وكذلك الأمر في العين بالعين والسن بالسن.

فخطاب الله في سورة المائدة، من الآية (22) إلى الآية (47)، هو خطاب للإسرائيليين ليتبعوا شريعة النبي الأمي. وأنهى الله ذلك الخطاب بالتوجه، بعد ذلك مباشرة، في الآية (48)، إلى الرسول ﷺ، ليؤكد لهم أن القرآن ليس مجرد مصدِّق لما كانوا عليه من تشريع توراتي أُقر في مرحلتهم، وإنما هو مهيمن عليه وناسخ له.

قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(المائدة: 48).

فهنا هيمنة قرآنية على الكتب السابقة، ونسخ لها، وليس مجرد تصديق، كما أن فيها تغييراً في التشريعات بحكم تغير الشرعة والمنهاج، واختلاف خصائص الأمم وفق الحالات التي ذكرناها.

وكان رفض الرسول ﷺ لتطبيق التشريعات التوراتية، مقابل التزامهم بالإسلام، أكبر تحدٍّ واجه اليهود، لأن ذلك الرفض يثبت مصداقية نبوته ورسالته الخاتمة، وفق خطاب الله لهم عند الجبل. فعمدوا، وبشكل منظم، بعد عروج الرسول إلى الملأ الأعلى، إلى دس كتابات مزيفة تثبت أن الرسول قد طبق شرائع الإصر والأغلال، من قطعٍ لليد ورجم، ليثبتوا لأنفسهم وللعالم أن نبوة محمد ليست إلا افتراءً يخالف خطاب الله لهم، وبالتالي لا يجوز اتباعه.

وانطلت الحيلة اليهودية، المنظمة والمتعددة، على المسلمين، فأضاعوا حقيقة الإسلام.

وقد فعل اليهود الشيء نفسه تجاه النصرانية، حين دسوا على الأوروبيين أقوالاً لم يقلها السيد المسيح عن نفسه، وثبت بطلانها تاريخياً، وهي الخاصة بعقيدة التثليث. فجعلوا منه ابناً لله سبحانه وتعالى، أو جعلوه هو الله نفسه، فأحكموا قبضة الثالوث على رقاب المسيحية، وحجبوا بين السيد المسيح وشعب بني إسرائيل، وزيفوا رسالته في العالم، فأوقعوا اللاهوت المسيحي في أزمة لا يزال يعاني منها حتى اليوم.

لقد خير الله اليهود والنصارى بأن يحكموا بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل إن لم يشاؤوا الدخول في الإسلام، إذ لا إكراه في الدين.

قال تعالى:

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾
(المائدة: 43).

وقال تعالى:

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ… وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾
(المائدة: 46–47).

إن مشكلتنا الأساسية هي في عصر التدوين والمخطوطات، منذ نهاية الحكم الأموي، وطوال الحكم العباسي؛ حيث لم يكن التحقيق والتدقيق في كتابة المخطوطات وتوزيع نسخها على ما هو عليه اليوم.

ولكن الذي أبقاه الله لنا منهاجاً في الحفظ الإلهي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو القرآن نفسه. وقد أوضحت لكم علاقة القرآن بالنص النبوي الشريف، حيث العصمة الإلهية لكليهما، ولا تناسخ بينهما، ولا تناسخ في آيات القرآن نفسها.

ثم إن من ميزات القرآن ليس فقط هيمنته ونسخه لما سبق، وإنما هيمنته أيضاً على ما يلحق، عبر متغيرات الزمان والمكان. فالقرآن، بمنهجيته المعرفية المطلقة، يعود ليمسك بناصية كل تحريف يصيب الدين؛ فهو إذ يصحح، بهيمنته على كتب الماضي، كل ما دُس فيها، وبالذات حول تأليه السيد المسيح، فإنه يهيمن، عبر مسيرة الزمان، ليدرأ عن الإسلام ما يُدس فيه، مشيراً ومحذراً، وبوضوح تام، إلى الدور اليهودي.

قال تعالى:

﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾
(النساء: 46).

النسق التشريعي الإسلامي

جاء الإسلام ليؤكد على اختلاف الشرعة والمنهاج، ووضع شرعة الإصر والأغلال، وتصديق خطاب الله لبني إسرائيل عند الجبل، حاملاً الخطاب العالمي والكتاب الكوني الذي يتفاعل مع كافة الأنساق الحضارية والمناهج المعرفية، وليحدد علاقة الناس جميعاً بالله على ثلاثة مستويات: بوصفهم ناساً، وبوصفهم مؤمنين، وبوصفهم مسلمين.

ولكل منهم أن يبقى على ما يريد. فإن كانوا ناساً، فتلك علاقة الحد الأدنى مع الله، وقد جاءت مفصلة، ككل دساتير العالم الإنسانية، في خطبة الوداع؛ حيث كان الخطاب كله: «يا أيها الناس»، ولم يستخدم الرسول، ولا النبي الخاتم، خطاب المؤمنين أو المسلمين.

لقد حضر في ذلك اليوم خطابه للناس، مبتدئاً بقوله إن كلكم لآدم وآدم من تراب، ثم قرر شريعة الناس ودستور الناس، فحرم القتل، والسرقة، والربا، وانتهاك حرمة الأعراض، وركز على العائلة، لا على الفرد، بوصفها الوحدة الأساسية للمجتمع، ولم يبتدع خلافاً بين الناس.

وأشهد الله، في ذلك اليوم، ثلاثاً، أنه قد بلغ الناس، ثم ارتقى إلى الملأ الأعلى.

ومن بعده بقي القرآن، بحاكمية الكتاب، للعالم أجمع، بلا مؤسسات كهنوتية تحوله إلى لاهوت، وتمارس من خلاله الوصاية على الناس، أو على المؤمنين، أو على المسلمين.

وبقي القرآن هو المرجعية؛ فمن أراد أن يرتقي به من الحالة الإنسانية العامة إلى الحالة الإيمانية ثم الإسلامية، فإن كونية القرآن المطلقة تعطي لهذا الإنسان المطلق قدرات الترقي، ليصل إلى مرحلة الجمع بين القراءتين: قراءة الكون بالوحي القرآني، وقراءة الوحي القرآني بالكون.

فالقرآن ليس دستوراً، والدستور الذي وضعه الرسول ﷺ للناس في خطبة الوداع لم يسمه دستوراً إسلامياً، وإنما جعله دستوراً للناس، مفتوحاً للجميع، من كافة الديانات والأعراق والحضارات والثقافات، مشترطاً عدم الشرك فقط بالله، فلا ولاية لمشرك. ولكن يساوى، في إطار «كلكم لآدم وآدم من تراب»، كل أبناء الديانات.

غير أن شكل الحكم في الدولة الإسلامية قد طغى على دستور التعايش الإنساني الذي قرره الرسول، وتأولوا نصوص أهل الذمة بمعانٍ لا تتسق معه.

إن استثناء الشرك من الولاية العامة يقوم على أمر أساسي، وهو ضرورة قيام العلاقة الإنسانية بالله؛ فدون هذه العلاقة، في حدودها الإنسانية العامة كما قررها الرسول للناس كافة، تبطل الولاية. فالعلاقة بالله من ضرورات الوجود، بحكم أنك موجود في كون خلقه الله بنفسه مع خلقه لك تماماً، وسخره لك بقانون العلوم الطبيعية.

وبذات المدى الذي أحكم الله به قوانين الطبيعة، مسخرةً من أجل الإنسان، أحكم قانون العلاقة به عبر مستويات التشريعات الثلاثة، ابتداءً بالتشريع الآدمي، ومروراً بالتشريع اليهودي، وانتهاءً بالتشريع الإسلامي، الذي نسخ الحدود اليهودية وشرعة الإصر والأغلال.

فما يوازي نقض العلاقة الإنسانية بالله هو نقض القوانين المسخرة للطبيعة نفسها. فهل نقبل بفوضى الطبيعة دون موجبات التسخير للإنسان؟ عندئذ يمكن أن نوازي ذلك بفوضى الإنسان نفسه وارتداده إلى الحالة الغريزية البهيمية.

ولذلك لا يفعل الدستور الإنساني الذي أقره الرسول سوى الارتقاء بالإنسان، وفي الحدود الدنيا، عن الحالة الغريزية البهيمية، ولا يطلب منه أن يكون ملكاً، تماماً كما رفض له أن يكون مشركاً.

وهناك تكافؤ بين ضرورات القانون في الطبيعة والقانون الإنساني.

الفصل الثالث

باتجاه التأسيس القرآني للمجتمع المعاصر

إذا تفهمنا هذه الخصائص الإسلامية، يتضح لنا تماماً أننا لا نستطيع تناول قضية الفصل أو عدم الفصل بين الدين والدولة إلا بعد أن نحدد أمرين:

أولهما: العلاقة الإنسانية بالله، ونوعية هذه العلاقة عبر مساراتها التاريخية المختلفة منذ آدم إلى محمد ﷺ.

فدون هذه المداخل التأسيسية لا نستطيع الخوض في هذه العلاقة، أي العلاقة بين الدولة والدين.

فالعلاقة لزومية وواجبة بين الدولة والدين، ولكن فقط في إطار ما طرحناه من دستور الرسول لكافة المؤمنين غير المشركين من الناس، وبكافة مللهم ونحلهم، وتعدديتهم الدينية والعرقية والثقافية، ودون هيئات كهنوتية أو مراسم لاهوتية.

فالتأسيس القرآني للمجتمع المعاصر مفتوح على كل الناس: أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل إليهم، وأن يحكم أهل التوراة بما أنزل إليهم، وأن يحكم أهل القرآن بما أنزل إليهم، وفي إطار وفاق وطني دستوري كامل، مفتوح على الجميع.

أما إذا شاء أهل القرآن أن يتطوروا بالدستور الرسولي الذي يقضي بمواد معينة ومحددة ذكرناها، فإن ذلك يوجب عليهم فهماً أدق لبنية التشريع القرآني، وبالذات فيما يتصل بوضعية المرأة، والتعدد، والميراث، والشهادة؛ حيث ألبس الفهم التقليدي والعرف هذه النصوص القرآنية معاني أخرجتها عن سياقها ومضمونها الحقيقي، فعولج وضع المرأة بدونية اجتماعية طُوع لها النص الديني.

وفي حين لجأت طائفة أخرى من الداعين إلى عصرنة الإسلام إلى القول بالزواج من واحدة على قرار ما كان عليه التشريع الآدمي، كان ذلك دون إدراك خصائص التشريع الآدمي نفسه، ودون إدراك الوظيفة الإنسانية والاجتماعية للتعدد، وضمن فهم ضوابط التعدد، بعد أن جعل التعدد متاحاً لإرضاء الشهوات الغريزية البهيمية، ودون التقيد بالنصوص الواردة في القرآن نفسه.

وكذلك الالتباسات التي حدثت في فهم الناس حين لم يميزوا، في حقوق الإنسان، بين المنطلق القرآني تجاه العائلة بوصفها وحدةً تأسيسيةً اجتماعية، وبين المنطلق الليبرالي الإباحي تجاه الفرد، متجاهلين بذلك أهم ركن في التشريع بعد الإيمان، وهو الالتزام بالحرمة العائلية ومنع الزنا.

فما من مادة تشريعية أبقى الله عليها، ولكن بعد تخفيفها إسلامياً من الرجم إلى الجلد، كمادة الزنا. وذلك لسبب جوهري يبتدئ بما قبل استخلاف آدم وشرعة الزواج؛ فالزنا يخل بالمعايير الكونية والتكوينية للعائلة، ويُوجد فيها من ليس من ظهورها، فيضطرب نسيجها النفسي والأخلاقي والاجتماعي، ثم نشتكي العقوق ممن ليسوا من ظهورنا، إنهم عمل غير صالح. فتوهّم نوح أبوته لابنه، ولذلك منع الله حتى التبني، بل ومنع المساكنة غير الشرعية في سورة يوسف، وأحاط التشريع العائلي بضوابط المحرمات من الأخ والأخت وغيرهما.

ولذلك ظلت عقوبة الجلد باقية بعد نسخ الرجم التوراتي، فالزنا لا يقل درجةً عند الله من الشرك نفسه.

والجلد يشمل المحصنة والمحصن، وغير المحصنة وغير المحصن. ومع ذلك قيد الله هذا التخفيف بشروط تصل بهذا الحد إلى حالة عدم التنفيذ، ولكن مع الإبقاء عليه؛ فالمجتمع يتعامل، في هذه الحالة، مع بهيمية بشرية استجابت لغرائزها، وليس مع إنسان. فلو لم يتم ضربها وجلدها بقيت كالحمار الجامح. ولذلك تتم مضاهاة الزناة بالمشركين، حيث لا ينكح الزانية إلا مشرك، وبالعكس.

إن للإسلام نسقه الإسلامي العالمي، فإذا أراد المشرعون استخدام مضامين الكتاب الكوني في تطوير دساتيرهم، فإن القرآن يضع أمامهم مداخل تأسيسية معينة.

أولاً:

نبذ الصراعات السياسية والحزبية والطبقية، وما يصدر عنها من دعاوى مضللة.

قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ۝ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ۝ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
(البقرة: 204–208).

إن دخول السلم كافة، دون صراعات ودعاوى طبقية أو حزبية أو سياسية، هو ما يميز النسق الإسلامي للشورى الجماعية عن النسق الديمقراطي الغربي القائم على منطق الصراع بين الحكومة والمعارضة.

ثانياً:

إن هذا النسق الإسلامي الشوروي الجماعي يتطلب اختيار أولي الأمر، بحيث لا يفرضون اختيارهم على الناس بالغلبة والاستيلاء، فيصبح هؤلاء من أولي الأمر عليكم، وليسوا منكم، أو أن يتوارثوا الولاية بالملك والتسلسل الطائفي، فيصبح هؤلاء، في مثل هذه الحالة، من أولي الأمر فينا، وليسوا منا.

ولذلك جاء نص الولاية السياسية واضحاً:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾
(النساء: 59).

منكم، وليس فيكم أو عليكم؛ فلا شرعية للولاية السياسية القائمة على «فيكم» أو «عليكم».

أما طاعة الرسول ﷺ فقد ارتبطت شرعيتها واستمدت من طاعة الله، وليس من الاختيار منكم، ولذلك كانت له صلاحية التصرف في قرارات الشورى بوصفها معلمة لا ملزمة؛ فهو يشاورهم في الأمر، ولكن إذا عزم توكل على الله.

أما أولو الأمر منا، فالشورى وقراراتها بالنسبة إليهم ملزمة.

وقبل هذه الآية قدم الله ضرورة تولي الأمر بحكم الكفاءة، لا الولاء، فالمنصب أمانة تؤدى إلى أهلها.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾

وربط ذلك بالعدل في الآية نفسها:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: 58).

ثم جاءت بعدها مباشرة آية أولي الأمر منكم.

ثالثاً:

إن مصدر الصراعات السياسية والحزبية في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية الغربية هو تركز فائض القيمة الإنتاجية في أيدٍ طبقية تسيطر به على الدولة. ولذلك أوجدت التشريعات الاقتصادية والاجتماعية الإسلامية عزلاً بين أشكال الإنتاج وعلاقات الإنتاج.

فإذا كان الإسلام يعترف بحقوق الملكية لرأس المال، وللأرض، وحتى للعبيد، تبعاً لحالات التطور الإنتاجي البشري، فإنه، في الوقت نفسه، نص على تشريعات تمنع تركز فائض القيمة وتشكيل الطبقات.

ومن ذلك الربا ومنعه حين يتجاوز الأضعاف المضاعفة، ثم الزكاة، ثم تفتيت الميراث وتوزيعه على جميع أفراد العائلة بنسب متفاوتة، وأضاف إلى ذلك منع الاكتناز، ليدفع إلى تدوير رأس المال المنتج.

وبهذه التشريعات يقضي الإسلام على مجتمعات التركز الطبقي، كما يقضي على حالات عدم الإنتاج معاً.

رابعاً:

كرس الله منطق العبودية له بأسلوب يتنافى مع عبودية البشر بعضهم لبعض، موضحاً، من خلال النصوص التي أوردها سبحانه في سورة النحل، تبعات العبودية البشرية للبشر فيما بينهم.

فبعد أن أوضح الله أنه هو مصدر الرزق لعباده، عاكساً العلاقة بين البشر، حيث يكون مصدر الإنتاج والرزق مملوكاً، قال سبحانه:

﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۚ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۚ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

إلى قوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
(النحل: 74–79).

فهذه الآيات توضح النقد الإلهي للعلاقة بين المالك البشري ومملوكه؛ حيث يكون المملوك غير قادر على التصرف في إنتاجه، لا سراً إلا إذا سرق، ولا جهراً، ويصبح أبكماً أخرس، لا رأي له إلا رأي مالكه، مجرداً من حرية التصرف أيضاً، يعتمد كلياً على إشارة مالكه.

والمالك، لأنه مالك عبيد، لا يوجهه، بطبعه، إلى خير.

ثم يختم الله هذه الآيات برمزية الطير المحلق في جو السماء، طليقاً حراً، ليماثل بها حرية وانطلاقة عبده.

فماذا بقي، بعد هذه المبادئ الأربعة، لكافة أنواع الدساتير في عالمنا المعاصر، والعالم الذي سيلحقه؟ وماذا بقي لنا من مشكلة مع الديمقراطية الغربية، وعلمانيتها، وحقوق إنسانها، سوى أننا نتخذ من العائلة وحدةً اجتماعيةً وسياسية، وليس الفرد؟ وأننا ندرأ بين الالتزام العائلي والليبرالية الفردية الإباحية التي تجسد النزعة البهيمية الغريزية؟ وأننا نقيم النظام السياسي على أساس الشورى الوفاقية الجامعة، كمدخل إلى السلم كافة، وليس على أساس الصراع السياسي الديمقراطي الغربي، بوجوهه الطبقية واستلاباته الاجتماعية والفكرية؟ وأننا نمنع، في قروضنا، تركز فائض القيمة؟ وأننا نجعل التعايش بين كل الأديان مناطاً لعلاقات أبناء الوطن، وفي إطار مواطنة متكافئة حض عليها خطاب الرسول للناس كافة؟ وأننا نجعل الكفاءة قبل الولاء أداءً للأمانة في كل منصب؟ وأن للتعددية الزوجية ضوابطها، لا الاستباحة؟

فإذاً، ماذا تبقى للعلمانية، التي تفصل الدين عن الدولة، وفق هذه العطيات المعرفية للنسق الإسلامي، كما يطرحه القرآن، وليس كما يطبقه الأوصياء على الناس، الذين يمزقون عالمية الخطاب الإسلامي بالأحادية الشؤومة، ويمزقون التعايش بالتسلط، ويمثلون التعددية بإهلاك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد؟

ويضيقون على الإنسان دون مطلقه، كالطير في جو السماء، ودون مطلق الكتاب الكوني، ويجعلونها حاكميةً إلهيةً وحاكمية استخلاف، وهي في حقيقتها حاكمية كتاب للعقل البشري، ويطبقون شرائع الإصر والأغلال اليهودية على المسلمين، ناسخين بذلك شرعة الإسلام وخصائصه.

إن مشكلة الإسلام الأساسية ليست مع الدولة المدنية المفتوحة على المواطنين، ولكنها مع أدعياء الإسلام والأوصياء عليه، مع الأميين من المسلمين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وإن هم إلا يظنون.

إذاً، لا مشكلة للإسلام مع المجتمع المدني، إلا تولي الشرك للولاية العامة، وفرض عقوبة الجلد على الزانية والزاني دون رأفة.

وهذا ما يتصل اتصالاً وثيقاً بالعلاقة الإنسانية مع الله، ومنهج الحق في الخلق، والتكافؤ بين قانون الطبيعة في التسخير الكوني، وشريعة الخلق الإنساني باتجاه الحق.

الفصل الرابع

من أين ورثنا إشكالية الدين والدولة؟!

لقد ورثنا هذه الإشكالية من مصدرين:

المصدر الأول:

هو الحركات والأنظمة الإسلامية التي غيبت النسق الإسلامي وخصائصه العالمية والكونية، وأخذت بالموروث اليهودي وشرعة الإصر والأغلال الملازمة له، فأوجدت مناخاً لفصل الدين عن الدولة.

المصدر الثاني:

هو التجربة المسيحية الأوروبية، إذ أحدثت تلك التجربة تناقضاً بين ثالوثين، أدى إلى العلمانية أيضاً.

فالثالوث الأول هو: الحق الإلهي المقدس للملوك، والقنانة العبودية الإقطاعية، والسلك الكهنوتي الكنسي.

وجاء الثالوث النقيض الثاني، وهو: الجمهورية بديلاً عن الحق الإلهي المقدس للملوك، والمواطنة بديلاً عن القنانة العبودية الإقطاعية، والعلمانية لعزل السلك الكهنوتي الكنسي.

وقد كانت الثورة الفرنسية، التي دعت إلى الإخاء والعدالة والمساواة عام 1789م، قمة التحول الكيفي في هذا التغيير الثوري، الذي تراكمت قواه منذ بدايات عهد الإصلاح والتنوير في القرن الخامس عشر، والذي لعب فيه فيلسوفنا الإسلامي ابن رشد دوراً كبيراً.

ومشكلة المسيحية هي، تماماً، كمشكلة الإسلام، حيث خضعت كلتاهما للدس اليهودي الذي زيف النسقين. فمن بعد رفع السيد المسيح نسبوا إليه بنوةً لم يدعها لنفسه عن الله، أو قالوا إنه هو الله نفسه، فأحكموا قبضة الثالوث على رقاب المسيحية، وحولوها إلى لاهوت، وصولاً إلى كنز الفضائل للقديسين والبابوات الذين يبيعونه كصكوك للغفران.

وقد لعبت الكنيسة، في القرون الوسطى، الدور الذي كانت تلعبه طبقة الأوصياء في المجتمع اليوناني القديم، موازاةً لدور المحاربين والعامة من الناس. ومن هنا نبعت سلطة الإكليروس، موازاةً للإقطاعيين والملوك والقنانة العبودية الإقطاعية، فاندرجت الكنيسة في هذا النسق، بالرغم من حروبها الدائمة للحد من سلطات الملوك وتحدياتهم لها، إلى أن جاءها التحدي مدفوعاً بقوة الحرفيين والتجار والمجتمع الجديد. والأهم أن هذه الكنيسة انتهت، في مواجهة مقولات العقل الطبيعي، إلى محاكم التفتيش، وإلى الحروب الصليبية التي لا تبقي ولا تذر، وحتى في لحظات إصلاحها وتجديدها فقد عززت النزعة الرأسمالية بعد أن كانت تحاربها.

العلمانية والخطأ المزدوج

فالعلمانية، التي تعني الفصل بين الدين والدولة، وليس بين الدين والمجتمع ـ كما تنادي المذاهب الوضعية ـ هي حل إنساني لإشكاليات قائمة، أوجدها تحويل الدين من مطلقيته المعرفية وأصوله المنهجية إلى أيديولوجيات تستلب الإنسان والطبيعة معاً، وتصادرهما باسم الحاكمية الإلهية، وبما يفارق الحيوية الإنسانية والعقل البشري.

فالعلمانية، بهذا المعنى، اختيار موضوعي في مواجهة ذلك، لكنها نتجت عن خطأ مزدوج.

الأول:

أن الذين نادوا بالعلمانية وفلسفوا لها بقدراتهم العقلية النقدية التحليلية، لم يبذلوا جهداً فلسفياً موازياً لجهودهم تلك في إعادة قراءة النص الديني، انطلاقاً من ضرورات فهم العلاقة الكونية بين الله والإنسان، وذلك لتحرير النص الديني من الأسر الأيديولوجي، سواء في المسيحية أو الإسلام.

الثاني:

أنهم اتجهوا بالعلمانية نحو ملازمة ليبرالية فككت الإنسان نفسه، ورسخت فرديته كمدخل للنزوع النفعي البراجماتي، الذي يشكل عقلية الرأسمالية المعاصرة، فانتهوا إلى إحداث خلل في البناء الاقتصادي والاجتماعي والحضاري.

فما نفعله في هذا البحث هو التخلص من الخطأ المزدوج الذي قاد إلى العلمانية، ثم إلى الليبرالية والبراجماتية. أما المذاهب الوضعية التي تفصل بين الله والإنسان فلها شأن آخر.

وفي إطار ما نفعله، ليستعيد الإنسان كامل حيويته الحضارية والإبداعية، وبعيداً عن حالات الاستلاب والاغتراب الأيديولوجي، إسلامياً واللاهوت مسيحياً، التي قيدت هذا الإنسان دون أن تدرك قدراته المطلقة، التي يحيط بها كتاب كوني مطلق، ويتفاعل بها في دائرة كونية مطلقة، عبر الجمع بين القراءتين: قراءة بالله خالقاً، وقراءة بالقلم علماً.

ولكن، مع ذلك، لنا زملاء درب داخل اليهودية والمسيحية.

فمن اليهودية، يقول النبي عاموس على لسان الرب:

«بغضت وكرهت أعيادكم، لست أجد لذة باعتكافاتكم، وإن إذا قدمتم لي محرقاتكم وذبائحكم فلا أتقبلها.»

ويقول النبي هوشع:

«إني أريد رحمةً لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات.»

وهكذا، إذا كان قلب الإنسان مملوءاً بالشر، فإن الله لا يهتم بالمحافظة على الطقوس.

فمثل أولئك أرادوا تصحيح علاقة اليهود بالله، في مقابل نصوص سفر التثنية الاستئصالية لكل البشر:

«أتبع أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم. أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت أقدامي، تمنطقني بقوة للقتال، تصرع تحت القائمين، تعطيني أقضية أعدائي، ومبغضي فأفنيهم، أسحقهم كالغبار أمام الريح، وأطرحهم كالقاذورات في الشوارع.»

فأي علاقة هذه مع الله سبحانه وتعالى؟

ولنا زملاء درب داخل المسيحية نفسها، ومثالهم القديس فرنسيس الأسيزي، الذي بلغ شغفه بالله أنه كان يعظ الطيور، وجعل حياته أنشودةً طويلةً واحدةً من التسبيح:

«أيها الله العظيم، فليتمجد اسمك يا إله الكون مع جميع مخلوقاتك، ولتتمجد من أجل موتنا الجسدي، وويل لأولئك الذين تطويهم القبور دون أن يتجردوا من الخطيئة الميتة.»

نعم، لنا زملاء درب في كل هذه الديانات. تمردوا، في اليهودية، على آلة الجنود، وتمردوا، في المسيحية، على الإكليروس.

ولنا، في الإسلام، زملاء درب أيضاً. وبهؤلاء جميعاً ينفذ الله أمره، كما قال تعالى:

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ۝ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(الصف: 8–9).

ولله الحمد، كيفما قام به الوجود وتقوم.

أولاً: أن نبحث في نوعية العلاقة نفسها بين الله والإنسان، والكيفية التي تؤثر بها هذه النوعية من العلاقة بين الله والإنسان على العلاقة بين الدين والدولة.

ثانياً: أن نميز بين الكيفية التي يطرحها الله ـ سبحانه وتعالى ـ لنوعية هذه العلاقة بينه وبين الإنسان، ثم بين الدين والدولة، والكيفية التي يطرحها بها الإنسان عبر مفاهيمه الأيديولوجية الخاصة به، والتي يفسر بها النص الديني.

فالخطاب الإلهي يتميز بلغة رياضية مطلقة، في حين يقيد الإنسان هذا الخطاب الإلهي إلى نسبية الواقع الذي يعيشه، ويحدد مفاهيمه وتصوراته. ولذلك تتعدد أنماط التفاسير تبعاً لتركيب العقليات الإنسانية المفكرة المنتجة لها، في حين يبقى النص الإلهي ذاته واحداً. وذلك هو الفرق بين مثالية النص الإلهي ومطلقه و«تاريخانية» التفسير.

منهج البحث

منهجنا في البحث يعتمد على المعرفية العلمية التحليلية المعاصرة التي عُرفت منذ الثلاثينيات بالإبستمولوجيا، والتي هي البديل العلمي المتقدم لثوابت المعرفة الأيديولوجية من ناحية، ولمناهج المعرفة الوضعية التي تبحث المادية والمثالية من ناحية أخرى، وانغلقت موضوعيتها دون احتمالات المعرفية العلمية المفتوحة من ناحية أخرى.

Facebook
Twitter
Email
Print

مقالات ذات صلة

علاقة-الدين-بالدولة
علاقة الدين بالدولة 

ارتبط موضوع البحث بعلاقة ثنائية بين الدين والدولة، غير أنه لا يمكن تفكيك ثم تركيب هذه العلاقة الثنائية إلا إذا بحثنا مسبقاً في علاقة ثنائية

Read More →