الحج خلاصة الديانات

الحج خلاصة الديانات

في العالم أزمة حضارية آخذه بخناق الانسان وقد يعتبر البعض أن دراسة الحج ومناسكه هروب إلى الخلف نحو اللاهوت بمعزل عن مشكلات الواقع . ولكننا في الحقيقة لا نتحدث عن الحج ومناسكه إلا لنستكشف من خلاله مدخل البشرية للخروج من مأزقها الحضاري . يكمن جوهر الأزمة الحضارية العالمية الراهنة في إستلاب الأنظمة الوضعية بأشكالها كافة لقيمة الإنسان الكونية حيث أخضعته إما لجدل الطبيعة بمنحاه المادي وإما إلى جدل الإنسان بمنحاه البراغماتي . فالجدلية المادية أخضعت الحالة الإجتماعية والتاريخية للانسان وفق مبادئ الجبرية الطبيعية ، سرعان ما إستلبت قيمته الكونية وتحولت به آلية إجتماعية صماء بكماء عمياء وفي حالة الإرتهان الدائم للطبقة البيروقراطية الجديده التي حرمت العمال حتى من حقهم المعلن في إدارة الانتاج . وهكذا أختصر الخيار الإنساني إلى مستويات الجبرية الطبيعية فأصبح يحكم بقانون من خارجه . أما جدل الإنسان النفعي ، القائم على الفلسفات النفعية التي تتدثر بالديموقراطية الليبرالية والحرية الفردية . والتي أخضعت الإنسان لشروط المنافسة غير الانسانية لمصلحة مبادي القوة والبقاء للأقدر وفق كل شروط البراغماتية . وهكذا اختصر الخيار الانساني إلى مستويات الغريزة .

على هامش محاولات الاصلاح من الداخل تحاول الفلسفات الوجودية تأكيد قيمة ذاتية للإنسان بجعله هو ـ أي الإنسان ـ مركز الإختيار والرؤية ومصدرهما . غير أن التيارات الوجودية لم تستطع أن تخرج عن الإطار الوضعي إذ غاية ما فعلته أنها تحولت بالإنسان إلى كائن طبيعي يتداعى مع ذاتيته خارج منطق الجماعية الجبرية والفردية المستغلة ، فعبرت التيارات الوجودية عن الأزمة الحضارية لكنها لم تحلها ، لأنها لم تكتشف القيمة الكونية للإنسان التي تتسامى عن القيمة الذاتية بنفس المستوى الذي تتسامى به عن القيمة الفردية المستغلة والقيمة الجماعية الجبرية . فالوجودية أسلمت الإنسان لدائرة العبثية التي تؤدي إلى الغثيان بمعزل عن أي هدف أو غائية للوجود . كما أسلمت المادية الإنسان لدائرة الجبرية الطبيعية وأسلمت الوضعية البراجماتية هذا الإنسان لدائرة النفعية البهيمية . وهكذا فقدت الأرض السلام وفقد الناس المسرة .

النبوات وآفاق الخروج من الأزمة الحضارية :

إذا تجاوزنا قليلاً الطرح اللاهوتي للدين وعبرنا إلى موضوعاته بعقلية نقدية تحليلية سنكتشف ان جوهر الديانات والنبوات إنما يكمن في محاولة التسامي بالانسان ليكتشف قيمته الكونية المتعالية على قوانين الجبرية الطبيعية المادية والمتعالية على قوانين النفعية البهيمية الوضعية وعلى القيم الوجودية العبثية . فكل الأديان قد طرحت أن الكون بما فيه الإنسان ـ إنما خلق وفق غائية إلهية تتجه عبر صيرورة في الزمان والمكان نحو الحق ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) فالحق لا تجسده المادية الجدلية ولا الوضعية البراجماتية ولا الوجودية العبثية . فهذه كلها مناهج فرضت على الانسان حياة ترابية دنيا غير متعالية على مستواه الكوني . فالإنسان وفق هذه المفاهيم إنما يخلد للارض ثم يحاول تفسير وجوده بالبحث في غرائزه الذاتية أو بتنصيب آلهة تجسد القيم التي يريدها هو أو بالبحث في قوانين الظواهر الطبيعية أو بالبحث في اللامعنى .

بدأت الأديان بنفي الشرك لتنتهي إلى المعبود الواحد الأحد . والمسألة هنا لا تقف عند حدود الولاء الأخلاقي لإله واحد ، ولكنها تمتد لتستقطب جملة المفاهيم حول الموجود . فنفي الشرك هو نفي للتعددية وبالتالي نفي لفوضوية الوجود خلقاً وحركة ، وتأكيد في الوقت نفسه على الغائية من الخلق المضادة للعبثية ، فبداية من نفي الشرك يكون التوجه لإستدراك معنى الوجود وغايته ، وصولاً إلى إكتشاف منهج الحق الذي به خلق الخلق . ومن خلال ذلك تتم معرفة الإنسان وقيمته الكونية ، وقتئذ يدرك الإنسان أنه ليس مجرد كائن طبيعي تسيره ذاتيته النرجسية أو غرائزه النفعية أو صراعاته المادية . وللتنبيه إلى هذه الغائية المتصلة بقيمة الإنسان الكونية إتصل نفي الشرك بنفي الزنا ، لا مجرد تأديب للغرائز البهيمية ولكن للتسامي بالإنسان من الكينونة الطبيعية المادية إلى عالم الرابطة الإنسانية ، فالمولود لا يعرف بكونه نتاجا لعملية متأتية عن لذة بهيمية بين ذكر وانثى . وإنما يرتبط المولود باسم الابن عن اسم الاب عن إسم الأم ، فتتخذ الأسماء صفة القدسية فوق الكينونه المادية الطبيعية . فلا يعود الإنسان مفسداً في الأرض كما هي شرعة البهائم الطبيعية . وكذلك تنبيهاً إلى هذه الغائية المتصلة بقيمة الإنسان الكونية . اتصل نفي الشرك والزنا بنفي القتل بوصف النفس الإنسانية نفساً محرمة وليست مباحة كسائر الذبائح التي نستهلكها أو نلغي وجودها بالمبيدات إذا تعارضت مع وجودنا . فتحريم القتل إنما يتصل بمكانه الإنسان الكونية وليس الطبيعة المجردة .

وتنبيهاً إلى هذه الغائية الكونية ، ايضاً حرم الربا الذي يعني إستخلاص أكبر فائض قيمة من انتاج الآخرين وأموالهم ، فالربا اكبر من مجرد الفائدة المالية على القروض النقدية فمعناه يمضي ليشمل كافة علاقات الإنتاج غير المتكافئة حتى على صعيد الأجور التي يعمد البعض إلى إنقاصها ليصعدوا بمستوى فائض القيمة . فتحريم الربا إنما يعني القضاء على ظاهرة المقايضة البراجماتية التي تختصر العلاقة الإنسانية إلى مستوى المنفعة .

إن وصايا الأديان كلها تتمحور حول الإرتقاء بالوجود الإنساني من مستويات التدني الطبيعي بحيث يكون الإنسان فوق الطبيعة المادية والوضعية والعبثية ، أي أن يتحرر الإنسان عن الفكر المادي والفكر الوضعي والفكر الوجودي فلا تستلبه هذه المناهج .

منهج الإنسان الجمع بين القراءتين:

غير أن الله سبحانه وتعالى وقد أوصى الإنسان ليتدرج نحو قيمته الكونية ، وألا يكون مستلباً لهذه المناهج الوضعية ، لم يتركه في فراغ المنهج فأوصاه بأن يجمع في قراءته للوجود وحركته بين قراءتين قراءة تتأمل الكون كخلق إلهي متكامل ومتجه إلى غائية ويحمل المغزى والدلالات ، بما في ذلك تكوين الإنسان نفسه وما في الوجود من إبداع . لهذا خاطب الله سبحانه وتعالى بالقراءة الكونية الأولى ، وهي قراءة بإسمه هو سبحانه وتعالى بوصفه خالقاً ( إقرأ بإسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ) .*1

ثم لم يتركنا الله سبحانه وتعالى في عالم الرؤى التأملية للخلق والتكوين وإنما وجهنا لقراءة ثانية ، هي القراءة التي تتعامل مع جزيئات وتفاصيل الواقع الموضوعي والظواهر المادية وقوانين الحركة وهي قراءة بالقلم ، والقلم أرقام وسطور ( اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ) *2 . فجمع الله لنا قراءتين في حالة معرفية واحده ، نعلم من خلالها اننا نتعامل مع واقع موضوعي بكامل قوانينه وظواهره ولكن في إطار غائية الخلق الإلهي للكون التي تنفي التعددية والعبثية وأسر المذاهب الوضعية التي اكتفت فقط بالقراءة القلمية الثانية دون الأولى ، فتحكمت في حركة الطبيعة بعلومها المتفوقة ولكن دون التسامي إلى معاني الخلق الإلهي للكون وغائته بإتجاه الحق . فكان ان تحركت الأنظمة الوضعية نحو دمار ذاتها ودمار البشرية عبر الحروب المتتابعة . وهذا ما أشار إليه المولى ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة العلق نفسها ( كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه إستغنى ) .فالطغيان والعلو في الأرض بغير الحق إنما يتمان عبر الإستئساد بالقراءة القلمية الثانية بمعزل عن الأولى . ولكن المصير ( إن إلى ربك الرجعى ).

الجمع بين القراءتين هو الأساس المعرفي للإنسان الذي يتسامى نحو مكانته الكونية ويتجاوز أسر العلوم الفلسفية الوضعية بكافة نهاياتها المنطقية بإتجاه المادية أو النفعية أو الوجودية هنا يسترد الإنسان قيمتهه الكونية فوق المناهج ويكون هو في ذاته مصدر المنهج والمعرفة ، وبذلك تتحقق الغائية الإلهية من جعل الإنسان فوق الطبيعة . ليكون خليفة على الأرض لا تستذله بمناهجها ، وفي مجتمعات لا تستذلها بهيمية أو غريزة ، ولهذا أعد الله الإنسان بتكوين الوعي الثلاثي الذي يعبر به نحو الجمع بين القراءتين ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) *3 . ثم شبه الله انطلاقة الإنسان بوعيه الثلاثي هذا بحالة الطير حراً في جو السماء حين يمتلك الإنسان وبمعزل عن شروط العبودية حق الإدراك والتعبير ، فقال سبحانه في الآية التالية ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) *4 . فربط الله بين قوة الوعي الثلاثي والجمع بين القراءتين وشروط الحرية كما الطير في جو السماء .

إذن لا شرك ولا قتل ولا زنا ولا ربا بل جمع بين القراءتين . وقوة وعي ثلاثي وحرية ، كلها تنتهي لتحقيقق مكانة الإنسان الكونية ، الذي يوحد بين رؤيته الدينية للغيب بوصف الله خالقا ، ورؤيته لنفسه المتعالية على الطبيعة ، ومعرفته بجدل الطبيعة . وهكذا يتحد الكون كله في رؤية واحدة هي جدلية الغيب والإنسان والطبيعة المتسامية على كافة الفلسفات الوضعية .

ولهذا جاءت كلمات الله لتحذر من الفلسفات الوضعية منمقة الألفاظ وهي التي تكرس في نهايتها حالات التضاد والإستلاب الإنساني ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له إتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد * ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد * يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) *5 .

ولا تدين هذه الآيات الواضحة فقط أولئك الذين ينمقون الفلسفات الوضعية وإنما أيضاً أولئك الذين يدثرون أهدافهم الدنيوية بكلمات الله ثم يعمدون لتحريف معانيها وإهلاك الحرث بالحروب وإهلاك النسل بالإنقسامات والصراعات الطائفية والعنصرية وكذلك الطبقية ، والله لا يحب الفساد ، فالفساد هو المرادف للأزمة الحضارية التي تستلب إنسان عالم اليوم .

نبوة الأرض المقدسة قامت على مخاطبة الحواس :

لقد إتجهت التجارب النبوية كافة ضمن أشكالها المتنوعة نحو التسامي بالانسان ليحقق توافقه مع ربه ، ونفسه ، ومجتمعه ،وكونه ، فوق توجهات الطبيعة المتدنية . كانت البداية بآدم الذي كان عليه أن يواجه النزوع المادي للإنسان بإتجاه الخلود والمجد الذاتي بإعتباره بديلا عن الكمال الروحي الذي وهب له . ثم كان على نوح أن يواجه إرتباط قومه بالشرك الطوطمي والخطايا . وعلى إبراهيم أن يواجه الشرك المتعلق بظواهر الطبيعة ليرتد بها الى المعبود الكامل فاطر السماوات والأرض والمهيمن على البنائية الكونية بمظاهرها كافة فإتخذ الله إبراهيم خليلا في عالم المشيئة الإلهية المباركة وبوأ له مركز البنائية الكونية فرفع إبراهيم القواعد من البيت وطاف سبعاً وسبعاً . وتعمقت التجربة بالحوار المقدس المباشر بين الله والإنسان والتلقي عبر الحواس المطهرة فكان موسى وكانت ليلة الطور ثم الشرعة والعهد وقهر الطبيعة عيانا من شق البحر وانبجاس الماء من الصخر ، ثم تمظهر كمال الإنسان الروحي بإذن الله والفتح المقدس في المسيح عيسى بن مريم الذي يأتي كل شيء بأمر الله وإذنه من بعد أن سخر الله لموسى ما سخر بالارادة والفعل . ثم تمحورت التجارب النبوية كلها واستجمعت قراءتها في لدى خاتمها . النبي العالمي الذي بعث في الأرض المحرمة وتلقى القرءان من لدنية الله سبحانه وتعالى . وليس حجنا إلى البيت المحرم في مكة المكرمة وليست مناسكنا إلا تجسيدا حياً لهذه التجارب النبوية مجتمعه ، فكل ما نأتيه هناك إنما هو رمز ودلاله على المسار النبوي من البداية الآدمية وحتى الختام المحمدي ولكن كيف لنا أن ندرك ذلك ولماذا تجسدت هذه المسارات النبوية في مناسك الحج ؟ وما علاقة هذه النبوات كافة بالخروج من مأزق الإنسان الحضاري ؟

مناسكنا ومثيلاتها في سيرة الأنبياء :

في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة من كل عام قمري يقف الحجيج بجبل عرفات ذلك هو يوم الذروة في الحج فالحج عرفة . ومن قبل ذلك اليوم طواف سباعي حول البيت المحرم نطوف حول أركانه الأربعة عددا . ولا نتخذ شكل الدائرة وإنما شكل الإستداره الدحية خارج المقام الإسماعيلي ومن بعد عرفة إضافة إلى المشعر الحرام بمزدلفة ومنها إلى منى حيث الرمي بالجمرات وتقديم القربان ثم طواف سباعي آخر حول البيت دحيا وهكذا يتم الوداع . قد تبدو هذه المناسك في ظاهرها مجرد طقوس يحاول الكثيرون تأول مغزاها وتاريخيتها . في حين يعتبرها آخرون أشكالا عبادية للإتصال الروحي بالبارئ سبحانه والبعض لا يرى فيها سوى أنماط تعبدية تماثل ما يأتي به أتباع الديانات المختلفة ضمن مواسم حجهم سواء كان هذا للأنهار أو المعابد القديمة ، غير أننا نطرح هنا فهما أكثر تدقيقا لمغزى هذه المناسك تمهيدا لمعرفة دلالاتها . بداية ، يجب التنويه باننا لا نملك نصوصا دينيه جازمة تفسر معنى هذه المناسك وتشرح لماذا مثلاً يكون الطواف حول البيت الحرام سباعياً ، وحين القدوم وحين الإفاضة ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوقوف بعرفة أو الإفاضة نحو المزدلفة ثم منى ، وعلى الرغم من معرفتنا بقصة الفداء والقربان ، إلا أننا لا نجد نصاً يشير إلى الخلفية الفلسفية لهذه المقدمة سوى الرؤيا المنامية للخليل إبراهيم . ومع عدم توافر النص القطعي لا يمكننا كذلك اللجوء إلى محض التأويل الذي يستند إلى وحي الخاطر ، فكثيراً ما يرجع التاويل لذاتية المتأول الروحية إذا لم يستند إلى ضوابط موضوعية للمعرفة يسهل للغير التعامل مع قواعدها .

كادت هذه الصعوبات أن تفرض الإستحالة على معالجة مناسك الحج بخلفياتها التاريخية وما ورائياتها الفلسفية ، غير أننا ــ كما قلنا في مقدمة هذا البحث ــ إنما نعتمد على الجمع بين القراءتين وقوة الوعي الثلاثي وعبر هذا المنهج وجه الله وعينا لالتقاط التماثل واوجه المقابله بين هذه المناسك وما اشتملت عليه النبوات من تجارب روحية ، فبقليل من التدبر في مكونات القرءان الكريم نستطيع أن نكتشف وجود علاقة بين مناسك الحج والتجارب الرئيسية للأنبياء .

إن منهج المماثلة القائم على التطابق بين منسك معين وتجربة نبوية معينة لا يساعدنا فقط على فهم مناسك الحج بل تصحيح الكثير من المفاهيم التاريخية التي زيفت تجارب النبوات الرئيسية ، وقد هدانا الله ــ سبحانه وتعالى ــ إلى هذا النمط من المعرفة التماثلية في سورة الغاشية حين ماثل بين هيكل الإبل وبنائية السماوات والأرض ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الأرض كيف سطحت )*6 فالمماثلة الأولى واضحة بين القوائم الرافعة للإبل واعمدة السماء التي لا نراها ، فالسماء مرفوعة بأعمده لا نراها ( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) *7 . فالله لم يقل بأنه رفع السماوات بغير عمد بل بغير عمد نراها . فرد الأمر إلى عدم رؤية العمد ، وهي مماثلة لقوائم الإبل التي نراها ، وفي المماثلة الثانية يطابق الله بين سنام الإبل والجبال ، فالجبال هي الأوتاد التي تشهد بنائية الأرض ، وكذلك سنام الإبل ( ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال اوتادا ) *8 . وفي المماثلة الثالثة يطابق الله بين خف الإبل ومهاد الأرض المسطحة .

لم تشر سورة الغاشية إلى هذه النتائج التماثلية بشكل مباشر وإنما اكتفت بالإيحاء ، فالمطلوب هو تحريك قوة الوعي الثلاثي لدى الإنسان ، وهذا هو المنهج الإلهي في الترقي بالوعي والتدريب على إستخدام مقومات الإدراك حتى لا نكون كمن يسأل عن الأهلة فلا يتلقى إجابة سوى أنها مواقيت للناس والحج ، فالعلم لا يؤتى لمجرد السؤال كما لا تؤتى البيوت من ظهورها ، فلا بد من تحريك قوى الوعي لتتولد لدى الإنسان قابلية للتفكير ، فالله سبحانه وتعالى يحدد في سورة الغاشية مقدمات التفكير بالمماثلة بين بنائية السماوات والأرض وهيكلة الإبل . ثم يوحي بأن قدرات الإنسان الإدراكية قادرة على الفهم ، فهم هذا الأمر وغيره فإن تعمد الإنسان عدم الفهم فليس على النبي سوى البلاغ ( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر )*9.

ويمتد هذا الاسلوب الإلهي نفسه في الدفع بقوى الوعي الثلاثي لدى الإنسان إلى ادق القضايا الفلسفية حول الجبرية والحرية ، ولكن دون إعطاء الجواب الصريح المباشر ، ففي صورة الشمس يقدم الله متقابلات التكوين الجدلية الثنائية . إذ يضع الشمس مقابل القمر والنهار مقابل الليل والسماء في مقابل الأرض ثم يشير إلى النفس وما سواها كنتاج مركب لهذه الجدلية الكونية الثنائية ومن خلال جدلية التركيب هذه تتولد متاحات الإختيار فجوراً وتقوى ( والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * فالهمها فجورها وتقواها * قد افلح من زكاها * وقد خاب من دساها * )*10. لم يقل الله سبحانه وتعالى بهذه النتيجة مباشرة ولكنه أعطى المقدمات الدالة على ثنائية التكوين الكوني في جدلية الإنسان . وبقي على قوى الوعي الثلاثي فينا ان تكتشف . فإذا كان خف الإبل يقابل سطح الأرض فما الذي يقابل سباعية الطواف أو رباعية البيت المحرم أو الطلوع إلى عرفات في نهاية اليوم التاسع من ذي الحجة ؟ .

موسى وإحرام الحواس :

لا نجد مماثلاً لخلع النعلين وكشف الصدر وتعرية الرأس وحواسه سمعاً وبصراً سوى ما كان عليه موقف موسى في ليلة الطور حين آنس نارا تلتهب في شجرة مباركة نودي منها ليخلع نعليه ويصغى بحواسه للكلمات المقدسة : ( وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما آتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا أخترتك فاستمع لما يوحى )*11. يخلع الحاج نعليه ، ويكشف عن الرأس بكامل حواس السمع ويكشف عن الصدر حيث القلب ، فكأنه يأتي حجه كما أتى موسى ربه ليلة الطور . ولا تقف تفاصيل المماثلة عند هذا الحد . فنحن نهرول كما هرول موسى من قبل حين تحولت عصاه حية تسعى ( وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ) *12.

هكذا نعيد في مقدمة الحج إنتاج موقف من مواقف النبوة الموسوية فنحن نصدق بكل الأنبياء ولا نفرق بين أحد منهم ، ونأخذ بتراكم نبواتهم جميعاً وصولاً إلى النبوة المحمدية الخاتمة التي تستوعب كل تراثهم عبر المدخل الموسوي إحراماً ، يكمل الحاج إستعداده للتلقي عن ربه في الأيام المباركة ، غير أن المسالة لا تنحصر هنا في التمثيل الصوري لوقائع التجربة وإنما تمضي لتمثل أبعاد التجربة الموسوية نفسها في سياق العلاقة الإلهية بالإنسان وأوضاعه . فالتجربة الموسوية كانت تجسد المواجهة بين الإرادة الإلهية وأعتى الأنظمة البشرية علواً في الأرض بسيطرتها على الطبيعة والبشر المستضعفين على حد سواء . لدرجة إدعاء الفرعون الأولوهية لنفسه وبنائه الإهرامات مدفناً له ولتابعيه . إتخذت المواجهة الطابع الحسي إذ هيمن الله على الطبيعة بشكل عرفناه في الآيات التسع التي واجه بها موسى فرعون من جراد وقمل ودم ، ثم ما كان من شق البحر حيث عبر بنو إسرائيل وغرق فرعون وقومه . وتمضي ظواهر الإعجاز الحسي في شكل عطاء لبني إسرائيل حيث عطشوا فكان إنبجاس الماء من الصخر إثنتى عشرة عيناً ولكل اناس منهم مشربهم ، وكذلك المن والسلوى . فالظواهر الحسية الخارقة عبر عصا موسى أو تجلي الإرادة الإلهية قد هيمنت على التجربة اليهودية منذ تلك البداية بالنار التي آنسها موسى والكيفية المقدسة للخطاب الإلهي الذي إستمع إليه عبر الحواس أيضاً.

ونتساءل : لماذا اتخذت التجربة اليهودية الطابع الحسي ولماذا نتمثلها في بداية حجنا ؟ ذلك لأن ضبط الحواس هو أولى علامات مفارقة الإنسان لوضعه ككائن طبيعي مستجيب لغرائزه وأهوائه وتطوره نحو وضعه الديني المتسامي كإنسان فوق مادية الطبيعة وبما أن اليهودية فتحت العهد الكتابي فقد كانت بدايتها هي التطهر الحسي حتى يكتمل الدين بالإسلام الذي يجعل النفس رقيبة على الحواس . فالبداية مع المدخل دائماً تكون من الحواس إلى النفس ، كبداية بالماء الطهور غسلاً ووضوءاً للجسد ثم الدخول في الصلاة الخاشعة أي مرحلة القلب . التجربة اليهودية هي الإطار الحسي للإيمان بالله والإلتزام بشريعة العهد ولهذا تجسدت وقائعها في الظواهر الحسية حيث يخضع الله الطبيعة بضربة بعصا موسى ويواجه جبروت فرعون بضربات طبيعية موجعة ، وفي المقابل تأتي قمة العقاب الحسي المماثل حين ينحرف اليهود عن العهد فيعبدون العجل الذهبي الأصفر كالبقرة الصفراء الفاقع لونها ، فيرتجف الجبل حتى بمن جاء يشفع لهم عند الله . ويصعقون إلى حد الموت وهم ينظرون .

ونتيجة هذه المقابلة بين العطاء الطبيعي الحسي الخارق والعقاب الحسي المماثل الخارق صيغت الشريعة التوراتية التي وصفها الله بانها تحتوي على إصر وأغلال ، وذكر الله انه بظلمهم قد حرم عليهم طيبات احلت لهم . ولم يقبل الله سبحانه وتعالى ــ بوضع القيود التشريعية الحسية الغليظه عن بني إسرائيل إلا إذا اتبعوا النبي الأمي الذي تأتي دعوته عالمية إلى كل الناس خلافاً للخطاب الإلهي الموجه إلى اليهود حصراً ، الذي تأتي دعوته ناسخة للشرعة الحسية اليهودية ومتجهة إلى الرحمة والتخفيف ، فعلامات النبي الأمي تشترط العالمية وشرعة التخفيف والرحمة بما ينسخ شرعة التوراة ، وقد ثبت الله هذه المعاني حين جاء موسى والشفعاء من بني إسرائيل للإعتذار من على فوق الجبل : ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال ربي لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء انت ولينا فأغفر لنا وأرحمنا وأنت خير الغافرين * وأكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي اصيب به من اشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون *قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وإتبعوه لعلكم تهتدون ) *13.

هكذا بعث الله ، وضمن هذه العلامات والشروط نبياً أميا إلى كل الناس عالميا ،لا يخط بيمينه ، وقائماً على على شرعة الرحمة والتخفيف ، وليتسق منهج الرحمة مع النبوة العالمية الخاتمة فقد حجب الله خوارق العطاء الحسي التي كانت لبني إسرائيل حتى لا يماثل الشرعة الإسلامية المخففة بشرعتهم فالعقاب من جنس الثواب ، ولهذا صد الله المسلمين من طلب الآيات المماثلة التي كانت لموسى وقومه ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل * ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى ياتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير)*14.

لقد تبين لأهل الكتاب ــ كما قال الله ثبوت علامات العالمية وشرعة التخفيف في البعثة المحمدية الخاتمة فإنتابهم الحسد وسعوا لتحريك المسلمين ليسألوا النبي الأمي خوارق التدخل الإلهي . فمن أحق بالماء من قوم موسى سوى أمة ناشئة في الصحراء ولكن الله حجب تلك الآيات لأنها ليست من طبيعة شرعة التخفيف : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ) *15. ومن أحق بالتدخل الإلهي الخارق حين حوصر المسلمون في المدينة ما بين الأحزاب خارجها واليهود داخلها فحفروا الخندق بعرقهم ودمائهم لم تنشق لهم الأرض كما انفلق البحر لقوم موسى . فقد احتجبت الخوارق : ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن إستطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) *16.

نسخ الله آيات اليهودية القائمة على تأطير الإيمان الحسي والخطاب الإلهي إلى قومية معينة بآية الإسلام العالمي القائم على شرعة التخفيف والذي إحتجبت لديه خوارق التدخل الإلهي ليتحول هذا التدخل إلى اسلوب غيبي غير منظور بالحواس كأمر الله الملائكة بنصر مقاتلي بدر إذ أمر الله الملائكة بضرب البنان عند أقصى اطراف الأصابع وليس ضرب اليد وقطعها . كما أمرهم بالضرب فوق الأعناق حيث الجملة العصبية للإنسان ومركزها وليس ضرب الرقاب تحت الاعناق . فالضرب هنا لم يكن حسيا ولا كانت الملائكة في حيز النظر البشري : ( إذ يوحي ربك للملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) *17. فالضرب غيبي لشل المراكز العصبية ومن وراء حجاب النظر البشري في حين أن الضرب البشري هو ضرب الرقاب وشد وثاق الأيدي : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق )*18. إذن تشكل تجربة موسى في ليلة الطور شعائر نتمثلها ونعيد تمثيلها في إحرامنا وهرولتنا كمدخل حسي تطهيري يتخذ وضع الإحرام كبداية للإنتقال من الإيمان الحسي إلى الإسلام الغيبي الذي نتابع مناسكه عبر أيام الحج المبارك فعلى المسلم حين يحرم ويكشف عن حواس الرأس والصدر من بعد خلع نعليه أن يدرك أنه ينتقل من طور إلى طور أرقى أي من الإيمان عبر الحواس إلى الإيمان عبر الغيب . فالإسلام ليس مجرد دين خاتم زمنياً للديانات التي سبقته وإنما هو القمة التي تستوعب نهايات الأديان كلها والخلاصة المتطورة لها .

لقد أختص موسى بنبوة ( الأرض المقدسة ) في حين أختص محمد بنبوة ( الأرض المحرمة ) . وكثير ما يقفل الدارسون الفارق بين التحريم والتقديس فلا يتبينونن الفارق بين المسجد الحرام في مكة بوصفه محرما والمسجد الأقصى في الأرض المقدسة بوصفه مقدسا ، وبالتالي لا يتبينون الفارق بين الدين العالمي والدين القومي . وكثيرا ما يقال عن المسجد الأقصى إنه ثاني الحرمين وهو ليس محرما وإنما هو مقدس ، فالتقديس يعني إضفاء صفة تفضيليه على حالة بشرية أو جغرافية محددة ، فقد خاطب الله بني إسرائيل بالتفضيل كما وصف الأرض التي أمرهم بدخولها بالتقديس : ( يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين )*19. وعن تقديس الأرض أو قدسيتها : ( يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم )*20. أما مكة فقد وصفت بالتحريم وإقترن ذكرها به وليس بالتقديس : ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين )*21. وكذلك حين الإشارة إلى القبلة : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون )*22.

الفرق بين الأرض المحرمة والأرض المقدسة :

بعد أن أتينا على خلاصة موجزة للتجربة الموسوية ـ الإسرائيلية يمكننا أن نوضح الآن الفرق بين الأرض المحرمة والأرض المقدسة . فقد إختصت الأرض المقدسة بنبوة قامت على مخاطبة الحواس بتنزلات إلهية من الكلم المسموع وكان الخطاب الإلهي المقدس من داخل شجرة مباركة ملتهبة والشجرة من النبات الذي يدل على ميلاد الحواس في التسلسل الطبيعي للنشوء وقد تميزت الرابطة بين الله ــ سبحانه وتعالى ــ وبني إسرائيل بكيفية الحكم الإلهي المباشر عبر تتابع الأنبياء واحدا بعد الآخر ، وظهرا من بعد ظهر ، منذ موسى وإلى يحى بن زكريا الذي إنتهت لديه النبوة الإسرائيلية المتعاقبة . ويعتبر ميلاد يحيى نفسه إستجابة إلهية لدعاء زكريا الذي كاد أن يكون خاتما لأنبياء بني إسرائيل حيث أصابه الكبر وعقمت إمرأته دون ولد . فأدرك في نفسه ختام التسلسل النبوي في بني إسرائيل فكان دعاؤه لله دعاء خفياً لأنه أدرك خروج النبوة عن بني إسرائيل وبداية تحقق وعد الله بإظهار النبوة الخاتمة كما أوردنا في سورة الأعراف ( قال ربي إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك ربي شقيا * وإني خفت الموالي من ورائي وكانت إمرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً ) *23. فكانت الإستجابة أن وهبه الله يحيى ولكن مع إنقطاع عن الذرية حتى يتحقق ختم النبوة في الأرض المقدسة وتحولها إلى الأرض المحرمة لذلك ولد يحيى حصورا لا يقرب النساء ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين )*24. فجاء يحيى حصورا ومنبئا بالمسيح عيسى بن مريم الذي هو كلمة الله التي صدقها يحيى . وبذلك إنقضت النبوة الإسرائيلية في بيت يعقوب التي كانت تترى وتقفو بعضا ببعض ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون )*25. لقد تمرد الإسرائيليون في حقبة من الحقب على هذا النمط من الحكم الإلهي المباشر إذ لم يستسيغوا أن يكون الله ملكا عليهم فأرادوا ملكاً من عند أنفسهم (لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)*26. وحين أنفذ الله رغبتهم وأختار لهم ملكاً من بينهم إرتدوا على أنفسهم فتنازعوا الملك : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )*27. ونعرف بعد ذلك إبتلاء بني إسرائيل بالوضعية الملكية من عند أنفسهم .

إذن كانت الحاكمية الإلهية المباشرة على بني إسرائيل عبر الأنبياء في الأرض المقدسة هي الطابع المميز لتلك التجربة . وقد فصلنا فيما سبق خصائص عديده منها مخاطبة الحواس بالكلم المسموع وتحديد الشعب بالتفضيل وتحديد الأرض بالتقديس ثم إرتباط التجربة بالثواب الحسي الخارق الذي لم ينله شعب من شعوب الأرض (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ )*28. وفي المقابل كان العقاب حسياً خارقا وصلت به الشرائع اليهودية إلى حد الوصف الإلهي لها بأنها إصر وأغلال وامتدت إلى تحريم الطيبات بظلمهم ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا )*29. وقد إنتهى إطار التجربة المقدسة بإبتعاث النبي الخاتم الموعود في الأرض المحرمة وهنا نجد نسخاً لكافة آيات التجربة المقدسة وظواهرها .

أولا : خلافاً للمخاطبة المقدسة عبر الشجرة الملتهبة إلى حواس موسى ، تنزل القرءان وحيا لدنياً من الله ــ سبحانه ــ على محمد في غار من خلال روح القدس جبريل ( وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم )*30. وكذلك : ( وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين )*31. فالتلقي القرءاني هنا إلهي لدني بإتجاه القلب . وفي هذا الإطار الذي يتسم بالغيبية التي تعلو على الحواس المباشرة تتأطر التجربة الإسلامية الخاتمة كلها .

ثانياً : خلافا للحكم الإلهي المباشر على الشعب المفضل في أرض مقدسة عبر النبوات المتتابعة . أصبح الحكم الإلهي عبر الكتاب من بعد النبوة الخاتمة التي لا تقفوها نبوات ولا تترى بعدها ، لهذا كان محمد خاتم النبيين ، ولم يدع الله ــ كما دعاه زكريا من قبل ليتواصل برجال من بعده يكونون حتما في عداد الأنبياء فيما إذا ولدوا عنه : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيـين وكان الله بكل شيء عليما )*32. فقد أصبح الحكم في الإسلام مسؤلية جماعية وعبر الكتاب الخاتم وبإرشاد من أورثهم الله الكتاب من بعد النبي الخاتم : ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير)*33.

ثالثاً : خلافاً للخوارق الطبيعية الحسية المباشرة اتخذت العلاقة الإنسانية مع الله سبحانه منحى غيبيا يستدرك بالتأمل والقلب والعقل وما سبق لنا شرحه في مقدمة سورة العلق حول الجمع بين القراءتين وقوة الوعي الثلاثي ( السمع والبصر والفؤاد ). ومن هنا أحتجبت آيات الخوارق كإنفجار الينابيع وشق البحر ونسخت أشكال العقاب المماثل لها وقامت الشريعة الإسلامية على العفو والرحمة مقابل ما كان في شريعة التوراة من عين لعين وسن لسن ، وأصبح العفو عن القصاص في الإسلام إحساناً وليس كفارة فقط . كما كان على بني إسرائيل ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )*34. ثم خاطب الله المسلمين بشرعة التخفيف ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن إعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم )*35. وهكذا تم نسخ شرعة الإصر والأغلال .

رابعاً : في الأرض المحرمة نسخ الخطاب القومي إلى بني إسرائيل بالخطاب العالمي إلى البشرية كلها عبر النبي الأمي إلى كل الناس وهو الذي لم يكن يخط بيمينه ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )*36.

خامساً : خلافاً للتجربة الإسرائيلية التي توجهت بالخروج من مصر والتوطن في الارض المقدسة قامت التجربة الإسلامية في الأرض المحرمة على الخروج من نسخ آية التفضيل الإسرائيلي التي توطنت بجعل الخير في امة أمرت بالخروج إلى الناس أجمعين ( كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن اهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون)*37. فخروج خير أمة بإتجاه العالمية آية نسخت التوطن الإسرائيلي القومي في الأرض المقدسة .

سادسا : من خصائص الأرض المحرمة أنها غير قابلة لبناء الحضارة المادية ، فطبيعتها كما وصفها الخليل إبراهيم واد لا زرع به أو غير قابل للزرع ( ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم فاجعل افئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )*38. ثم أن هذا الوادي غير مطل على بحر فكانه كهف مفتوح لا يأتيه سوى عابد يخلو إلى طوافه ونسكه وركوعه وسجوده وإتصاله مع ربه . فالبلده قد حرمها الله سبحانه وتعالى فهي له بالإنتساب ولمن يعبده ويتلو القرءان . وتلاوة القرءان تعني معرفته وإستكشافه بالتدبر في آياته وأحكامه . فلا ياتي الإنسان في الأرض المحرمة من أقوال وأفعال إلا ما يتسق مع هذا التحريم الإلهي الذي يعني تخلي الإنسان عن نوازعه الأرضية بما فيها عصبيات وجهالة ليتسامى مع معنى الحج القائم على توحيد الله ووحدة المؤمنين والبراءة من المشركين ، وبما أن لكل عمل وجهه السلبي الذي يأتيه في مقابل الوجه الإيجابي فإن الحض على البراءة من المشركين إنما يعني في الوقت ذاته توثيق الوحدة بين المؤمنين . هكذا أطلق الله في الأرض المحرمة قوة الدين العالمي للناس كافة والقائم على شرعة التخفيف ، والمستند إلى العلاقة الغيبية مع الله عبر منهج الجمع بين القرءاتين وقوة الوعي الثلاثي والحرية ، الدين الذي جعل الكتاب منهجا مهيمنا على كل الكتب التي سبقته ودليلا للبشرية عبر متغيرات الزمان والمكان دون تعاقب نبوي . فالكتاب مكنون وكريم ومجيد ، وتعني هذه الصفات أن مكنونه قابل للإكتشاف ، وأن كرمه يعني تجدد العطاء ، وأن مجيديته تعني عدم البلى بوجه متغيرات الزمان والمكان ، وهكذا قال الله تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرءان كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون )*39. وكذلك قال بمجيديته : ( بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ )*40. فالقرءان وافر العطاء في كل حين مقدر من ميقات ، ومواقع آياته كمواقع النجوم احكمت في بنيانها ودلالاتها .

لقد إبتدأنا بشرح مماثلات وقائع التجربة الموسوية في الحج ، كمقدمة ومدخل . لا تلبث أن نتطور عنها بإتجاه المناسك الأخرى مع الأنبياء الرئيسيين بحيث يكتمل الهدف من الحج في التسامي بالإنسانية فوق الوضعيات الطبيعية ، وبما اننا نقدر أن هذا هو الهدف الفعلي للحج عبر مناسكه النبوية المختلفة فلا بد أن تأتي ممارسات الحج برهانا على هذه الغاية ، غاية إستقطاب المسلمين وتوحيدهم ، ولا يكون الإستقطاب والتوحيد ممكنين ومطلوبين إلا ضمن منهج النبوة الذي حطم الوثنيات المادية والفكرية وأرسى إنطلاقة الدين العالمي لكافة الناس .

مماثلات سباعية الطواف :

بعد أن شكلت مناسك الإحرام التي ماثلناها بالتجربة الموسوية المرتبطة بالأرض المقدسة والشعب المحدد بالتفضيل ، مدخل التطهر الإيماني الحسي ، سرعان ما ندخل مرحلة الطواف السباعي التي تطلق الإنسان من القيد الأرضي ، قيد الأرتباط بالشعب المحدد والأرض المحددة . وتدفع به إلى مراقبة الكونية ، فماذا تجسد سباعية الطواف ضمن الإشارات في النصوص القرءانية . ؟ وكيف يتسامى الحاج بهذه السباعية من المحلية المقدسة إلى الكونية المتسعة في رحاب الله ؟! تأتي الإشارة إلى السباعية مرتبطة بالسماوات والأرض ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد احاط بكل شيء علما )*41. فالسباعية إشارة إلى بنائية السماوات والأرض فالطواف من حول البيت سبعاً حين القدوم وسبعاً حين الوداع ، إنما يماثل دوران هذه السباعية حول مركزية تخشع لها ، وهكذا الإنسان يجسد بطوافه قيامه عن السماوات والأرض بمهمة العرفان الكوني لله ، هذا الكون الذي يتكون الإنسان من كافة عناصره . ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا )*42. نعم لا نفقه تسبيح السماوات السبع والأرض ولكنا نجسده عمليا عبر الطواف السباعي الكوني .

ولكن ما هي صلة الانسان بهذه الكونية ؟ ولماذا نجسدها طوافاً ؟ ذلك تحقيقاً لمبدأ الإستخلاف الإلهي للإنسان الصالح في الكون كله . فنحن نطوف عن أنفسنا وعما استخلفنا الله ــ سبحانه وتعالى ــ فيه ، وقد بين القرءان المكنون معنى من أدق معاني الإستخلاف الكوني المرتبط بالنبوة الخاتمة والتي يرمز إليها الطواف الكوني في الأرض المحرمة من بعد المدخل التقديسي الذي عرضنا له . إن كل سماء هي مثنى أرض تقابلها ، كالذكر مثنى الأنثى . وكالشمس مثنى القمر ، وكالنهار مثنى الليل ، ولقد عرضنا لهذ المثنوية في سورة الشمس حين البحث في كيفية تكوين النفس الإنسانية عبر جدلية ثانية كونية تمكنها من الإختيار ، فجورا وتقوى . لقد أفاد صريح القرءان بأن الله ــ سبحانه ـ قد وهب محمدا حق الإستخلاف الكوني مع إضافة القرءان العظيم بإعتباره معادلاً معرفياً موضوعيا يتحقق له من خلاله الوعي بهذه الكونية كلها : ( ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرءان العظيم ) *43.

فتم الارتباط بين النبوة الخاتمة في الأرض المحرمة والإستخلاف الكوني ، أما القول بأن السبع المثاني هي السور الطوال فالقول مردود لأن السور الطوال يحتويها القرءان العظيم الذي ورد ذكره إلى جانب السبع المثاني . فقد جمع الله لمحمد ما بين الكتابين الكوني الطبيعي الذي ما فرط الله فيه من شيء ، والقرءان العظيم الذي يحتوي المعرفة الكونية كلها : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون )*44.

سباعية الطواف هي تمثُل في الحج للمكانه المحمدية الكونية الإستخلافية المتسامية ، وإرتباط بمبادئ الإستخلاف التي تضع الإنسان فوق الطبيعة وفوق الرؤى المادية والوضعية . هنا تكون العلاقة بالله فوق التقديس وبإتجاه التحريم الذي لا تخالطه شوائب التشبيه ولا الحلول ولا التجسد ، إنها علاقة العبودية الكاملة بعالم الامر الالهي ، وهذا من أصعب مراقي الحج أو حده الفلسفي الأعلى . غير أن هناك حداً أدنى بمقدور الإنسان أن يتمثله وهو يمارس الطواف الكوني السباعي نفسه ، فالطواف مع سباعيته الكونية إنما يستدير بشكل شبه دائري حول بيت رباعي ، أي أركان الكعبة المحرمة وخارج البناء الإسماعيلي ، فمن أين نستمد معرفة ما وراء هذه الرباعية ؟!.

الخلة الإبراهيمية والمركز المكاني والجهات الأربع

( ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن وأتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلا )*45. والخلة صفة مكانية لا تشوبها معاني الحلول أو التجسد بقدر ما تتجه لمعنى الإحاطه بالكيان ، ولهذا جاءت الآية التالية موجهة إلى هذا المعنى ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيط ). لقد بدأت نبوة إبراهيم بالتأمل في المكان وظواهر الطبيعة بحثاً عن فاطر السماوات والأرض ضمن الملكوت : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون* إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين )*46.

لم يتراجع إبراهيم عن عبادة هذه الظواهر الفلكية نتيجة إحتجابها ضمن الدورة اليومية فإبراهيم يدرك منذ صغره أن الشمس والقمر والكواكب تحتجب يوميا ، ولكنه تراجع عن عبادتها بالنظر إلى أفولها ، والأفول في اللغة إنما يعني النقص في التكوين فيكون امتناع ابراهيم عن تعبد تلك الظواهر الفلكية نتيجة الكسوف الذي ينقص الشمس والخسوف الذي ينقص القمر والطمس الذي يصيب النجوم . وقد سجل لنا التاريخ البابلي القديم حيث نشأ إبراهيم في (أور) الكلدانيين كسوفاً للشمس بتاريخ 14تموز/يوليه عام 2120 ق .م. فما كان يغري إبراهيم لتعبدها هو( كمالها ) الذي إرتد إلى نقص . ولهذا ربطت الآيات تعبد ابراهيم لهذه الظواهر وكونها بازغة ، لقد تحول ابراهيم من المفطورات ناقصة التكوين والمنظورة بالعين إلى الإله الفاطر وبالتالي الكامل لذاته وبذاته والمحيط والمهيمن على المفطورات المنظوره دون أن يكون منظور . فاستوجب التفكر الإبراهيمي منطق الهيمنه الإلهية بإعتبارها علاقة بين الله والوجود أي وصل إلى معنى الخلة نفسه الذي أتخذه الله له وعامله به .

أراد إبراهيم التعرف إلى معنى الإحاطة الإلهية بالمكان وعلى كيفيتها ، فطلب من الله رؤية كيفية الإحياء للأموات : ( وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلا ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم أجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا وأعلم أن الله عزيز حكيم )*47. وتتسق هذه التجربة مع منطق الإحاطة الإلهية نفسه بالمكان ، غير أن الله ــ سبحانه وتعالىى ــ قد أضاف عناصر اخرى للتجربة أولها : أن يكون عدد الطير أربعة ، وثانيها : أن يوزع الطير المجذوذ على جبال أربعة تمثل الشرق والغرب والشمال والجنوب . وثالثا : أن يكون الداعي هو إبراهيم حيث تبعث الطيور وتتجه إليه . فإبراهيم يتحول هنا إلى ( مركز ) مكاني . يماثل دعاء إبراهيم للطير من الأماكن الأربعة وهي في حالة الموات لتأتيه سعيا . بلا شك أذان إبراهيم في الناس بالحج وهو أذان غيبي وليس دعاء مسموعا أو نداء يخترق الحواس والناس يأتون كما أتت الطير من كل الجهات الأربع التي هي أقطار الأرض : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق )*48.

لازمت المكانية تفكير إبراهيم الذي أتخذه الله خليلا في مبتدأ بحثه عن الله في الظواهر الفلكية ، ثم لازمت في تجربة دعائه للطير من الجهات الأربع ، وكذلك أذانه الغيبي إلى أفئدة الناس لحج البيت والطواف من حول أركانه الاربعة ، وكذلك لازمت هذه المكانية في إعادة إبراهيم وإسماعيل رفع القواعد من البيت أي البناء على أساس كان موجودا ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم )*49. وقد امتدت هذه الرؤية المكانية في تجربة إبراهيم النبوية إلى طلبه من الله توريث الامامة لأبنائه ، والأبناء كما نعلم ذرية من الظهر . والظهر جسد ومكان ( وإذا أبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي لظالمين )*50. وكذلك طلبه المغفرة لأبيه : ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك ساستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا )*51. والأب هو المقدمة الجسدية للإبن فتجربة الخليل إبراهيم كما هي صفته تتجه نحو الرؤية المكانية حيث تيقن أن الله هو المحيط بالمكان والمبدع لصوره والفاطر لأشكاله ، جعل إبراهيم ينشد الأمن في المكان الأمن في البلدة وفي الطبيعة ، الأمن في الرزق عبر الإنسجام بين الخالق وخلقه ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود * وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا وأرزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالها واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير )*52. وبذلك ربط إبراهيم بين الأمن والإيمان في تجربة الإحاطة بالمكان فأصبح إبراهيم الخليل رمزاً لعالم المشيئة الإلهية المباركة بما فيها من مفطورات وصور شتى ، فكان لا بد أن تلخص التجربة الإبراهيمية في تقديم الشكر له عن المكان وبمواصفات تتسق مع شكل المكان ودلالاته ومن هنا تأصلت فكرة القربان الإبراهيمي لشكر اهل على المكان بما يمثله من مظاهر المكان .

براهيم و إشكـــالية التضحية بابنه

ظنّ كثير من الناس كما ظن إبراهيم الخليل أن الله قد طلب جسد الابن قربانا له، ذلك حين رأى إبراهيم في منامه أنه يقدم ابنه لله قربانا: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ *فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)*53. لقد أخذ إبراهيم بمنطق الصورة التي رآها في المنام، أنه يذبح ابنه، أما الابن فقد كان هو الذي تولى تفسير الرؤيا المنامية بذبحه أنها أمر من الله، و اتخذ هو القرار بالاستجابة لما ظنه أمرا إلهيا ﴿ يا أبت افعل ما تؤمر﴾ ثم عقب على ذلك مستلهما مشيئة الله بالصبر ﴿ ستجدني إن شاء الله من الصابرين ﴾. و يكشف لنا هذا الحوار أن الابن لم يكن طفلاً حين حدثت الرؤيا المنامية لأبيه، فهو المفسر للرؤيا، و هو المستجيب لها مستعينا بالله، و كان الأمر شورى بين إبراهيم و ابنه، فإبراهيم خاطب ابنه القول: ﴿ فانظر ماذا ترى ﴾ و لا تكون الاستشارة لطفل. ثم إن الله – سبحانه و تعالى- قطع باب التوهم بأن الابن لم يكن طفلاً حين بدأ الله هذه الآيات بوصف مرحلة رجولة الابن ﴿ فلما بلغ معه السعي قال يا بني ﴾ و السعي قوة و احتطاب و رعي و جلب ماء، سعي الإنسان في الأرض و مناكبها.

ثم نأتي إلى ما هو أكثر وضوحاً، فالله – سبحانه و تعالى – ما كان ليأمر بقتل النفس التي حرمها هو – سبحانه و تعالى – بغير حق، علما بان الله يصف الابن في مقدمه هذه الآيات بأنه حليــم: ﴿ و بشرناه بغلام حليــم ﴾. إضافة إلى الأمر المتوهم بذبح الأب لابنه كان يتعارض مع المفهوم الإبراهيمي الذي صاغه عن الأمن المرتبط بالإيمان في عالم المشيئة الإلهية المباركة. يخرجنا الله من هذه الإشكالية بما وضع من آيات لاحقة، فحين عمد إبراهيم إلى ذبح ابنه خاطبه الله بالقول: ؟ أن يا إبراهيم﴾ و هذه عبارة اعتراضية، ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ ، و تصديق الأمر هو إعادة تمثيلية و إقراره كما هو في صورته، و لم يخاطبه الله بالنداء المباشر كمثل القول: ؟ و ناديناه يا إبراهيم ﴾ و إنما ﴿ و ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾، و الرؤيا لا تصدق كما هي في صورتها المنامية و إنما تحل إلى رموزها و دلالاتها، أي تعبر و تأول، تماماً كرؤيا ملك مصر: ﴿ و قال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف و سبع سنبلات خضر و أخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ﴾*54.، فالمطلوب في الرؤيا العبور إلى دلالاتها، و قد عبر يوسف رؤيا الملك فتأولها بسبع سنوات منتجة و سبعة سنوات مجدبة تستهلك ما سبق من إنتاج، إن تأويل رؤيا إبراهيم و عبورها إنما ينتهي حتما إلى طلب القربان المماثل في هيكله الجسدي لصورة المكان الذي يعيش في كنفه الإنسان، أي صورة المكان المستحوذة على النهج الإبراهيمي. فلم يكن المطلوب في حقيقة العبور الرؤيوي هو ذبح الابن و إنما ذبح قربان من الأنعام المماثلة في هيكلها لبنائية السماوات و الأرض، أي نموذج الإبل الذي عرضنا له في سورة الغاشية. و لم تظهر صورة إسماعيل في الرؤيا إلاّ للتعبير عن الرابطة ما بين الإنسان و كنفه المكاني، حيث العيش الآمن و الأبوة و النبوة و الظواهر المسخرة لحياة الإنسان، فالإنسان هو ابن الكون، و من نسيجه يتكون الإنسان، و القربان هو إهداء المماثل الكوني لله الذي فطر هذا الكون و سخره للإنسان.

لعلنا نتخذ نموذجا آخر لتوضيح هذه الإشكالية، فيوسف كان قد رأى أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر له ساجدين، ثم بعد مرور سنوات عديدة جلس على مركز الصدارة في مصر فجاء أبوه و أمه و إخوته الأحد عشر: ﴿ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه و قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين• و رفع أبويه على العرش و خروا له سجدا و قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ﴾*55. فالشمس يعبر في تأويلها إلى الذكر الذي هو الأب، كما يعبر في تأويل القمر إلى الأنثى التي تتلقى عن الذكر و هي الأم، أما الكواكب فهم نتاج الشمس و القمر إذ يخضعان لتأثيرهما المنعكس و المتبادل عليهما. تماما كما أن السماء هي المتصفة بالذكورية في مقابل الأرض التي تتصف بالأنوثة، و لهذا ماثل الله عملية التخليق بين الذكر و الأنثى بعملية التخليق النباتي بين الساء و الأرض: ﴿ فلينظر الإنسان مما خلق• خلق من ماء دافق• يخرج من بين الصلب و الترائب• إنه على رجعه لقادر• يوم تبلى السرائر• فما له من قوة و لا ناصر• و السماء ذات الرجع• و الأرض ذات الصدع﴾*56..

إذن فلكل صورة في الرؤيا دلالاتها الرمزية الكامنة وراءها، غير أن إبراهيم الخليل لم ينفذ إلى دلالات الرؤيا، و أراد تصديقها كما هي في أرض الواقع. إلا أن الظنون يجب أن لا تتجه بنا إلى توهم الخطأ السلبي في تفكير الخليل إبراهيم، فالله – سبحانه و تعالى – كان يعلم أن إبراهيم سيأخذ بمنطق الصور دون تأويل،و قد قدر الله له – على نحو إيجابي – إقدامه على ذبح ابنه قربانا له دون تردد فقال عنه: ﴿ و ناديناه أن يا إبراهيم• قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين• إن هذا لهو البلاء المبين• و فديناه بذبح عظيم﴾*57..

ما كان لإبراهيم أن يتأول وراء الصور أو يعبر الرؤيا لأن نهجه النبوي قد ركب على عالم المشيئة الإلهية المباركة القائم على عالم الصور: ؟ و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات و الأرض و ليكون من الموقنين﴾. فعلم عبور الرؤيا هو علم ما وراء صور المشيئة باتجاه معرفة الإرادة الإلهية من وراء هذه الصور، فطبيعة إبراهيم أوضحت له أن المراد هو القربنة بابنه و انصاع لما ظنه أمرا إلهيا، و ذلك كان الابتلاء العظيم الذي شكره الله عليه و قدره له، ثم كان الفداء بالذبح العظيم الذي يرقى على الكبش الذي أشارت إليه نصوص التوراة. فنحن في الواقع نعاني من مشكلات معرفية كبيرة مع الخلفيات التوراتية التي أخذ بهام فسروا القرآن العظيم الأوائل فيما يختص بنصوصها، فقد سايروا اليهود بجعل الذبيح طفلاً، بالرغم من أن المسلمين قد قالوا بإسماعيل ذبيحا و قالت اليهود بإسحاق ذبيحا. و قد عرفنا من تحليل نصوص القرآن بأن الابن لم يكن طفلاً. كذلك وردت إلينا شبهة الكبش من نصوص التوراة في حين أن ما لدينا هو ﴿الذبح العظيم﴾ الموصوف بالعظمة. علما أن إبراهيم يذبح العجل لضيوفه و العجل أكبر من الكبش: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين• إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون• فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾*59. فكيف يكون فداء الابن من الله كبشا في حين يكون قرى ضيف إبراهيم عجلا سمينا أو حنيــذا ؟.. بل إن التوراة قد وضعت الذبيح على المحرقة كاد ينبعث منها الشواء البشري : ( فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق إبنه وأخذ بيده النار والسكين فذهبا كلاهما ، وكلم إسحق إبراهيم أباه وقال يا أبي فقال ها أنذا يا إبني فقال هو ذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة فقال إبراهيم الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني فذهبا كلاهما معا .. فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله ، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضع على المذبح فوق الحطب ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه فناداه ملاك الرب من السماء وقال : إبراهيم إبراهيم . فقال ها أنذا فقال لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا لأني الآن علمت انك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني . فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه . فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقه عوضا عن ابنه )(سفر التكوين ــإصحاح 22)*

لقد ربط الله منذ البداية بين الأذان الإبراهيمي للحج و شكر الناس الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: (ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير) الحج:28. فالقربان من بهيمة الأنعام المماثلة في هيكلها للمكان و كشكر على المكان الذي خلقنا الله فيه، و ما صورة إسماعيل ذبيحا في الرؤيا الإبراهيمية سوى التوضيح للعلاقة بين الإنسان و المكان الكوني المسخرله.

و قد جعل الله من (الإبل) أصلا للقربان في الحج، و قد شرحنا تجسيد خلق الإبل للبنائية المكانية الكونية: (و البدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها و اطعموا القانع و المعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم و بشر المحسنين) الحج: 36 . 37.

إن القربان هو الشكر على تسخير المكان و وافر النعم التي خلقت للإنسان، و ليس من الضرورة أن تكون القرابين من الإبل أو البقر، فالإسلام دين تخفيف على الناس و رحمة بهم، غير أن المهم في الأمر هو تصحيح اعتقادنا بمعزل عن الموروث التوراتي حول حقيقة الرؤيا الإبراهيمية حتى لا يظن بأن الله سبحانه قد أراد من القربان شواء بشريا على محرقة، و حتى لا يظن بأن الابن كان طفلا يؤخذ إلى ساحة إعدامه، و حتى لا يقال بأن القربان هو مجرد إسالة الدماء على الأرض، إن القربان شكر على تسخير المكان، بمماثلات الأنعام، و ضمن رؤيا عميقة لفعل المشيئة الإلهية التي باركت حياتنا، و تظل هذه القرينة منسكا و عقيدة راسخة نؤديها لنعلم أن الله وحده هو مصدر حياتنا و مصدر هذا الكون المسخر لنا، فلا نشرك به شيئا، و نكون له من الحنفاء ..

وهبط نوح على عرفات

رأينا كيف تمثلت النبوة الخاتمة المهيمنة على كافة النبوات بالطواف الكوني السباعي حول البيت المحرم ، والذي يجسد العلاقة الكونية ، ورأينا في المقابل إختصاص إبراهيم بالمكان الرباعي الذي تتمحور حوله حياة الناس فالمسافة بين الشعيرتين ، إن السباعية كونية والرباعية مكانية والكونية محيطه بالمكانية وليس العكس . أي أن سباعية الطواف المحمدي محيطة برباعية البناء الإبراهيمي ، هكذا يبدأ الإسلام بإبراهيم في حدود المكانية ليرتقي ويتسامى إلى غايته الروحية ، ويكتمل لدى محمد في إطاره الكوني . ولهذا قال الله تعالى ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين )*63. فالإبراهيمية مدخل بإتجاه الإسلام الذي يبتغى أن يتم التطور نحوه والإرتقاء إليه ، وليس دينا بمجدر الإنتساب اللفظي أو العصبي أو الوراثي : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )*64. فالإبتغاء ينتهي لدى صاحب النبوة الخاتمة ولكنه يبدأ لدى إبراهيم الذي أسلم وجهه لله حنيفا مسلما ونبذ الشرك وربط بين الأمن والإيمان ، وشكر الله قربانا على نعمة المكان ، فإبراهيم هو الجسد الطاهر والخلة المتخذة من عند الله ، ولا يكون بعد طهارة الجسد الا الترقي بإتجاه الإسلام الكامل . لذلك فإن محاولات الوفاق الديني والحوارات الدينية يجب ألا تتجه إلى عكس الإبتغاء الإسلامي وإتخاذ الإبراهيمية منطلقا أوليا يعبر عن الطهر في المكان . فالقرءان الكتاب المهيمن على كل الكتب هو وحده الذي يوضح أبعاد هذا الترقي ويصحح كثيرا من اللبس الأسطوري والخرافي الذي أسدل ستارا من الغموض المزري على تجارب الأنبياء ومقاصد تلك التجارب بحيث أصبح الدين مجرد لاهوت يسخر منهه ومن بضاعته من يسخر .

لقد استوعبنا في حججنا تجربة الأرض المقدسة حين إحرامنا ، استوعبنا المدخل الإبراهيمي للإسلام حين طوافنا من حول البيت وتطلعنا إلى الغاية الإسلامية حين طفنا سبعا وسبعا ، فاستصحبنا هذه التجارب الرئيسية ، وعلينا أن نمضي أكثر لنكشف كيف تمثلنا تجربة نوح ، قرينتان في آيات القرءان تربطان ما بين فلك نوح المشحون وجبل عرفات ، وما بين قوم نوح والإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام .

القرينة الأولى هي دعاء نوح الذي أجراه الله على لسانه طالبا بالتخصيص ( منزلة مباركة ) يأوي إليها بفلكه المشحون : ( فإذا استويت انت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين )*65. فالدعاء هنا أمر إلهي إلى نوح لأن يطلب تخصيصا منزلا مباركا وليس مجرد مرفأ طبيعي ، وفي الدعاء المأمور توجه إلى الله بأنه ــ سبحانه وتعالى ــ خير المنزلين . فأين يكون الرسول إلا في منزلة مباركة من عند الله ؟! وأين تكون هذه المنزلة سوى في البيت المبارك : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين )*66.

وحتى لا تمتد الشبهة إلى منازل أخرى مباركة في العالم كالأرض المقدسة مثلا فقد جاء الله ـ سبحانه وتعالى ـ بقرينة أخرى تتجه إلى مكة تخصيصا وذلك حين خاطب خاتم الأنبياء حول مناسك الحج حين أمره أن يفيض من عرفات بنفس الكيفية السابقة التي أفاض بها أناس آخرون من عرفات ذاتها : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فأذكروا الله عند المشعر الحرام وأذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وأستغفروا الله إن الله غفور رحيم )*67. فمن هم الناس الذين أفاضوا من قبل النبوة الخاتمة وامرنا أن نفيض كمثلهم ؟ من هم إن لم يكونوا قوم نوح الذين أنزلهم الله منزلا مباركا في بيت نسبه إليه . وحرمه ؟!.

غير اننا سنأتي بقرينة أخرى أكثر تدقيقا ، وهي تختص بمماثلات لتوقيت وقوفنا في عرفات بتوقيت إقلاع فلك نوح ورسوه ، فنحن نقف في عرفة في النصف الثاني من اليوم التاسع من ذي الحجة فالنصف الثاني نهاية يوم . واليوم التاسع نهاية عقد . ونوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وسنحتسب هذه المماثلة بتوقيت الله .

أوضح لنا الله تعالى الفاصل الزمني في تجربة نوح بإتخاذ القاعدة من السنوات والإستثناء من الأعوام ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) *68. فنحن هنا أمام ضرورة إكتشاف الفرق بين السنة والعام ولماذا تكون القاعده إحتسابا بالسنة والإستثناء بالعام ؟ّ! السنة في اللغة إنما تصدر عن تسنه الأشياء إرتباطا بتأثير الشمس الطبيعي ، ونجد الأمر واضحا في خطاب الله ــ سبحانه وتعالى ـ إلى الذي مر على قرية ميته ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنا يحيي الله هذه بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه )*69. السنة دلالة على الشهور الشمسية . أما العام فهو دلالة على الشهور القمرية . ونحن نعلم الفرق بينهما بموجب سورة الكهف ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين واذدادوا تسعا ) *70. فكل ثلاثمائة سنة شمسية تعادلها ثلاثمائة وتسع سنوات قمرية ، أي بزيادة ثلاث سنوات قمرية على كل مائة سنة شمسية . فنعود فنحتسب الأمر في تجربة نوح وبناء الفلك المشحون لنكتشف توقيت الوقوف في عرفات كقرينة داله على إرتباط هذا المنسك بتلك التجربة النبوية . فنوح قد لبث في قومه ألف سنه إلا خمسين عاما . ولكنه لم يبق بينهم داعيا لهم إلى الله . فقد انبأه الله بأنه لن يؤمن إلا من قد آمن ، ثم أمره ببناء الفلك المشحون ، فظل يبنيه في الخمسين عاما ( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون )*71.

الخمسون عاما المستثناة من الألف سنة والموصوفة أو المنسوبة إلى العام في مقابل السنة إستثناء لها ، إنما تعادل في حساب السنوات ثماني وأربعين سنة ونصف السنة فلا يتبقى من تمام الألف سنة إلا سنة ونصف . فنوح قد أقلع بفلكه في نهاية القرن التاسع وقبل تمامه بسنة ونصف وهذا هو عين التوقيت حيث يتم وقوفنا بعرفات في نهاية اليوم التاسع من ذي الحجة وبعد جمع وقصر صلاتي الظهر والعصر . وفي نهاية هذا التوقيت نزل قوم نوح من على الفلك ثم أفاضوا من عرفات بإتجاه المشعر الحرام . وهكذا أمرنا من بعدهم : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) . وهبط نوح وقومه طبقا لذلك الدعاء . ( المنزلة المباركة ) فليس سواهم من سبق بالإفاضة ومن سبق إلى المنزلة المباركة . هذه تجربة نبوية نجسدها في مناسك حجنا . وليست العبرة هنا بمجرد المماثلة في التوقيت الزماني وإنما العبرة في أن نلتفت إلى مفهوم الزمان وكماله في الوحي القرءاني عبر تجربة نوح كما سبق وأن التفتنا الى مفهوم المكان وتمامه في تجربة إبراهيم . فبتفهم بعدي الزمان والمكان نصل إلى أرقى ما كتبه الله لنا في فهم مكنون القرءان . فلا نمر عبثا أمام آية تقول إن ليلة القدر خير من ألف شهر ( إنا أنزلناه في ليلة * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر )*73. فنعلم أن ليلة القدر تمتد في عمر الزمن لتحتوي ألف شهر من ألف سنة قمرية تأتي بعدها . فليلة القدر خير من ألف شهر يماثل شهرها من كل سنة ثم يكون علينا أن نبحث في سر هذا التوقيت . فإذا كان عام ليلة التنزيل المباركة هو (610)م فإن الألف سنة الشمسية تنتهي في عام (1610)م.فإذا انقضت السنوات الشمسية لتتطابق مع القمرية تكون نهاية الألف عام هي (1580)م . فماذا حدث للإسلام والمسلمين في هذا التوقيت بالذات ؟ وبسر التوقيت هذا نفهم لماذا خاطب الله موسى بقوله في ليلة الطور ( ثم جئت على قدر يا موسى ). فهذه خلاصة توقيت زماني مقدر بدأ بميلاد موسى واستوعب تجربته كلها : (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى *أن أقذفيه في التابوت فأقذفيه في اليم فاليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني * إذ تمشي أختك فتقول هل ادلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنينا في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى )*73.

إذا ليس عبثاً ميقاتنا في عرفات نوح وليس عبثا أن قرر اهنط ميقات الشهور الحرم فلا نتجاوزها بالنسيء ، وليس عبثا تقدير الصلوات ميقاتا ، فلا تكون ركعتا الفجر إلا حين الفلق بين أبيض وأسود ، ولا تكون ثلاثية الغروب إلا حين إمتزاج الشفق حمرة وبياضا وسوادا ، فالفجر إنفلاق ثنائي والغروب تركيب ثلاثي في الشفق ، أما الغسق فليل مسدل وفي النهار حكمة ومواقيت ،فليس من عبث في التوقيت . وهذه أبواب حديث يطول بها المقام .

هذه الدراسة التي نشرت عبر فصلية ( مراصد ) وهي فصلية محكمة للدراسات العربية والإسلامية  السنة الأولى العدد الثاني خريف 1420هـ/ 1999م عن مركز دراسات الإسلام والعالم.

Facebook
Twitter
Email
Print

مقالات ذات صلة

علاقة-الدين-بالدولة
علاقة الدين بالدولة 

ارتبط موضوع البحث بعلاقة ثنائية بين الدين والدولة، غير أنه لا يمكن تفكيك ثم تركيب هذه العلاقة الثنائية إلا إذا بحثنا مسبقاً في علاقة ثنائية

Read More →