
صدق الأستاذ (كمال الجزولي) في عنوانه ومقاله المنشور بجريدة (الصحافة – الخميس 29 ربيع الثاني 1425هـ/ 17 يوليو (تموز) 2004م – العدد 3970) – (حاج

قد أوضحنا أن الله – سبحانه وتعالى – لم يستلب الإنسان ويصادره كما تقول بعض الاتجاهات اللاهوتية، إذ جعل فائق القدرات ولا بعد مما يدركه الإنسان عن نفسه، ولنفي الاستلاب، أوضح خطأ المماثلة بين عبيده وعبيد البشر، بل الله – سبحانه – هو مصدر عطاء ورزق لعبيده، بداية من العمل (البسيط) كالغيث للزرع وليس انتهاء بالعمل (المركب) كاللبن ما بين فرث ودم والعسل المختلف ألوانه، فالله يدفع بالإنسان لتحقيق وجوده عبر هذه القدرات الهائلة ويشجعه على ذلك بكل الوسائل، فالحقيقة الإنسانية في القرآن قائمة كحقيقة إنسانية مطلقة، لا تمتد للأزلية ولا تتدنى إلى ما دونها.
فالتدني إلى ما دونها: هي الحالة الطوطمية التي يفسر بها بعض علماء السلوك الاجتماعي والأنثربولوجي العقائد الدينية لبعض القبائل البدائية التي ترجع أصولها إلى حيوانات معينة.
والامتداد لأبعد منها: تتفرع إلى حالات عديدة، كقول بعضهم بمنطق تلمودي سخيف أن الله – سبحانه – قد خلق الإنسان على صورته، وهو –سبحانه – “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” (الشورى / ج 25 / من ي 11) وكقول بعضهم أن الإنسان حيز للحلول الالهي، فهذه كلها مواضعات تستلب الإنسان في النهاية وتخرجه عن حقيقة الإنسانية في القرآن، لهذا لم يطلب الله من الإنسان في القرآن أن يتجاوز حقيقته الإنسانية، ولم يجعل علاج الضعف الإنساني بالتجسد في شكل إنسان ثم فدائه، بل جعل معالجه الضعف وفق التزكية العبادية بشتى أشكالها بما في ذلك المعاملات التي تؤتى عباده في ذاتها، فالذين افترضوا طوباوية الإنسان بمنطق لاهوتي عالجوا الخطايا الإنسانية خارج حقيقة الإنسان، وهذا فارق كبير وخطير بين نظرة القرآن للإنسان ونظرة الآخرين، لهذا فإن ما يراه البعض في أصل الخطيئة الأدمية يختلف تماما عن رؤية القرآن، فخطيئة آدم في القرآن ليست خطيئة أصلية مركبة في جبلة الإنسان، وإنما هي (نسيان) و(ضعف عزم)، وهكذا قال الله “ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما” (طه / ج16/ ي 115).
فالرجوع إلى آدم – عليه الصلاة والسلام – بالمعصية أو الغواية هو رجوع إلى حالة النسيان أو عدم العزم وليس رجوعا إلى (خطيئة أولى) مركبة في جبلة الإنسان. وعلاج المعصية هو العودة إلى الله ضمن الحقيقة الإنسانية وليس بالفداء الخارجي، فالقرآن لم يطلب من الإنسان تجاوز نفسه ولكن طلب منه الترقية “يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم” (النور / ج 18/ س 21).
وخاتمة المقال:
لدي الكثير أقوله، وفي مكنون القرآن قول أكثر، حول مطلق الإنسان ونزوعه اللامحدود، وإمكانات الحقوق والحرية التي يتطلبها هذا النزوع، والتي تمضي لأبعد من تمثلات الليبراليين أنفسهم، ولكن بشرط الارتقاء من الوضعانية الأرضية إلى الكونية اللامتناهية، حيث يتماهى الإنسان، عقلا وأخلاقا، مع مصادر وجوده، وهي مصدرية ترقى على شروط التحديد الموضوعي، ولكنها تلتزم بها بذات الوقت، وهذا هو سر الإطلاق في التكوين والتركيب، فالمحددات تنتهي إلى اللامتناهي كما تقول سورة الرعد، فمن ماء وبيئة أرضية واحدة يتشكل اللامتناهي وبغائية تتجه إلى الإنسان (وفي الأرض قطع متجاورات) بمعنى وحدة البيئة، وتسقى هذه الأرض (بماء واحد) ونتاجها “جنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ونفضل بعضها على بعض في الأكل” (راجع نص الآية في سورة الرعد / ج12/ ي 4).
وعلى النقيض من هذا القانون تحمل سورة فاطر اختلاف التراكيب ووحدة الناتج “وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا” (فاطر / ج22/ من ي 12).
فمن طبيعة ما هو مطلق أن يحمل التغاير، كما مطلق الإنسان يحمل حرية الاختيار من خلال تركيبته الكونية، من “الشمس وضحاها -1- والقمر إذا تلاها -2- والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها -4- والسماء وما بناها -5- والأرض وما طحاها -6- ونفس وما سواها -7- فألهمها فجورها وتقواها -8-” (الشمس / ج20).
إن كل تشيؤ هو نتاج تخليق معقود واكتساب المطلقية الإنسانية هي غاية التركيب المعقد، حيث لا حدود ولا نهايات، فالإنسان في هذا الكون يتجاوز كل محدود، بما في ذلك تلك المواصفات الوضعانية أو اللاهوتية لحقوق الإنسان، وقد عبر عن ذلك ابن الفارض وبه اختتم.
أقمت إمامي في الحقيقة فالورى
ورائي وكانت حيث وجهت قبلتي
وكل الجهات الست نحوى توجهت
بما تم من نسك وحج وعمرة
لها صلواتي بالمقام أقيمها
وأشهد فيها أنها لي صلت

صدق الأستاذ (كمال الجزولي) في عنوانه ومقاله المنشور بجريدة (الصحافة – الخميس 29 ربيع الثاني 1425هـ/ 17 يوليو (تموز) 2004م – العدد 3970) – (حاج

ارتبط موضوع البحث بعلاقة ثنائية بين الدين والدولة، غير أنه لا يمكن تفكيك ثم تركيب هذه العلاقة الثنائية إلا إذا بحثنا مسبقاً في علاقة ثنائية