
قد بينا في مطلع المقدمة “الهدف من الدراسة” وهو البحث في جيوبوليتيك القرن الأفريقي وأهميته الإستراتيجية بما يدفع لإكتشاف يؤدي الى التنسيق بين هذه الكونفدرالية ومنظومة البحر الأحمر ودول وشعوب حوض وادي النيل من ناحية أخرى.
فمحددات الهدف جيوبوليتيكية واستراتيجية بمعزل عن الدعاوى “القومية” و “الدينية” فضلاً على التدخلات الديمغرافية والحضارية والثقافية والدينية بين شعوب هذا القرن والتي غالباً ما تؤدي إما إلى التكامل في حال التوجه نحو “جدلية الوحدة” أو الى الصراع في حال التوجه النقيض نحو “جدلية التجزئة”.
وقد مهد الفصل الأول ليكتشف القارئ أن الأصل في إشكالية التعريف يرتبط بمدى تكامل أو تمايز حقول الدراسات الإثيوبية والسودانية والإرترية والصومالية وغيرها، وقد عرضنا لذلك بالتفصيل ووثقناه في الفصل الثاني (إشكالية الفصل بين حقول دراسات القرن الأفريقي).
وبما أننا قد إنتهينا في الفصل الثاني إلى أن هناك ما يعزز تكامل الدراسات لا تمايزها بمنطق أحادي طرحنا في الفصل الثالث الكيفية التكاملية التي أثبتها التاريخ في تفاعل حضارات (أكسوم) في المرتفعات الإرترية – الأثيوبية الشمالية، و(أدوليس) على ساحل البحر الأحمر، و(مروي) في وسط السودان (تفاعلات الثقافات في أكسوم – السبئية والمروية واليونانية) أي تفاعل (الجبل والمنخفضات والساحل) وذاك موضوع الفصل الثالث.
في الفصل الرابع ركزنا على “تنوع الأصول والتفاعل من خلال الصراعات” ، حيث عمدنا الى تحليل أول محاولة لفرض “المركزية” على مستوى الجبل الحبشي (أكسوم) والساحل الإريتري (أدوليس) والمنخفضات الإرترية والسودانية إلى شرق النيل ، وتلك كانت مرحلة “عيزانا” ملك أكسوم في القرن الرابع الميلادي .
بسقوط “أكسوم” في القرن الثامن أو التاسع الميلادي وسقوط مروي في القرن الرابع ، وتقليص أهمية أدوليس في القرن السابع ، دخل القرن الأفريقي مرحلة العزلة و التي أفرزت بدورها ميلاداً جديداً بدأت تتحدد معالمه منذ القرن الثاني عشر ، ثم تداخلت تحديدات المعالم مع منعكسات الصراع البرتغالي – التركي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي (1557م) ثم تنامى التوسع الأوروبي (بريطانيا / فرنسا / إيطاليا) منذ منتصف القرن التاسع عشر وتأثير هذا التوسع على مستقبل القرن الأفريقي وإشكالية الإمبراطورية المركزية منذ عهد ثيودور الثاني (1855-1868م) وإلى هيلا سيلاسي (1930-1974م) وهذا هو موضوع الفصل الخامس.
أما الفصل السادس فيوضح الكيفية التي دخل بها التوسع الإمبراطوري الأثيوبي حقل الأرقام الإرترية منذ القرار الفيدرالي الصادر عن الأمم المتحدة عام 1950م وإلى إحتلال إرتريا وضمها رسمياً عام 1962م هنا بالتحديد حللنا عوامل الوحدة والتجزئة بين الكيانين الإمبراطوري الإثيوبي الذي كرس ظهوره على المسرح الإقليمي والدولي منذ مرحلة ثيودور (1855م) والكيان الأريتري الآخذ بالولادة منذ بداية ثورته عام 1961م ، فلماذا كانت إرتريا دون كيانات الإمبراطورية الإثيوبية الأخرى مصدراً لتقويض الإمبراطورية نفسها ضمن عوامل أخرى ؟
لتحديد علاقة المواجهة الإرترية الأثيوبية بالصراعات الدولية والإقليمية الناشئة في منطقة القرن الأفريقي على مدى تبدلات التحالفات مع أثيوبيا في الحقبة الإمبراطورية (1930-1974م) ثم الحقبة الجمهورية (1975م – 1991م) والمغايرة النوعية ، من الحلف الأول مع أمريكا وإلى الحلف الثاني مع الإتحاد السوفيتي حللنا طبيعة (العزلة) الإقليمية والدولية التي عاشتها الثورة الإرترية في الحالتين لنوضح ونحلل كيف نالت إستقلالها ضمن تلك الأوضاع “النابذة” لها . وهذا هو موضوع الفصل السابع.